بنفسج

رسالة إلى أبي... النصر دومًا للمقاتل

الأربعاء 18 فبراير

الأسرى في السجون
الأسرى في السجون

كم أهوى ذاك الوصف حين يقال لي: ابنة أبيها. كأنه يكفيني. فأنا التي من صلبك، نتاج غرسك الطيب الذي أينع كما رويتَه حبًا وإيمانًا. أبي، يا كلّي، يا أمني وأماني. ممتنة لأنك أبي. في كل سجدة، وفي كل موقف، أحمد الله أنك أنت دون غيرك؛ بصفاتك المتزنة الرصينة، المليئة بالوعظ والإرشاد بأسلوب راقٍ سلس، أحفظه كأنه تغذية راجعة أستند إليها في حياتي اليومية.

لا أبالغ حين أقول إن العامين الماضيين كانا من أقسى الأعوام التي مرّت عليّ، بل أشد قسوة من ثلاثة عشر عامًا قضيتها متفرقة في غياهب السجون. عامان من الإمعان في البطش والظلم، حرمنا فيهما الاحتلال من سماع صوتك وزيارتك، حتى أخبارك بالكاد كانت تصلنا. وأكثر ما يعزّيني ويشدّ من أزر العائلة أنك صاحب همة ومعنوية عالية، واثق بنصر الله وفرجه.

يتلذذون بعذابك وعذاب الأسرى، ويمارسون أبشع صنوف القهر والذل والمجاعة. عشنا قلقًا دائمًا على حياتك وصحتك، ولطالما شهدت ليالينا صوت رجائنا ودعائنا بتفريج كربك. الأقسى أن الاحتلال تفنّن في تعذيب شوقنا، وحرماننا منك، ومن زيارتك وصوتك، حتى أخبارك بالكاد تصل. ومع ذلك، يبقى عزاؤنا أنك ثابت، عالي المعنويات، واثق بأن الفرج آتٍ.

لم تكن مقولتك: “النصر دومًا للمقاتل” مجرد عبارة تختم بها منشورًا على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا حديثًا عابرًا، بل كانت نهجًا وعهدًا، وكأنها وصية. أحنّ إليك، إلى ضحكتك الآسرة، إلى عطائك اللامحدود، إلى رسالة محبة على “واتساب”، إلى صوتك في اتصال يصنع يومي ويمحو همّي. أحنّ إلى لمّتنا في حديقة المنزل التي تحب، إلى كل شيء يشبهك. أحنّ إليك يا مهجة الفؤاد والروح.


اقرأ أيضًا: حين يسبق الحدس الخبر: امرأة تحتضن الفقد مرتين


إيماني بالله هو ما يقوّيني، وأملي ببزوغ فجر جديد آتٍ لا محالة، رغم أنف السجّان وسوداوية السجن وتبعاته المريرة. فكلّ مرّ سيمرّ بإذن الله، وكلها أقدار الله ونحن لها راضخون راضون، فالحمد لله حتى يرضى. أوتدري يا أبي أن ابني قسام الصغير قد كبر؟ يفتقدك كثيرًا. وابني الثاني قارب عامه الأول، أسميناه مجد، ملامحه جميلة، بشرته شقراء، ويسميه أنس “أبو الذهب”.

كثيرة هي الأحاديث التي أرغب في مناقشتها معك، أن آخذ مشورتك وحكمتك، وأن أستقوي بك. أما أمنيتي، فهي أن تتحول تلك الخاطرة التي وصلتني عبر أسير محرر، وكان حينها في مرحلة الثانوية العامة، إلى حقيقة. في ختام رسالته كتب: “صوت جرس الباب يرن… إنه أنت يا أبي، نعم إنه أنت”. أذكر أني بكيت كثيرًا حين قرأتها. صرت أترقب كل صوت جرس، وأتخيلك خلف الباب. وما زالت ابنتك المحبة بانتظارك.