في الأشهر الأخيرة، تصاعدت وتيرة الاعتقالات في فلسطين بشكل غير مسبوق، لا سيما في الضفة الغربية، ولم تقتصر على النشطاء أو الشبان فقط، بل طالت النساء والأمهات والفتيات والطالبات الجامعيات، في مشهد يعكس تحوّل الاعتقال إلى أداة عقاب وقمع جماعي تستهدف المجتمع بأكمله. لم تعد حرمة البيوت، ولا خصوصية النساء، ولا القدسية الإنسانية والتعليمية للحرم الجامعي، تشكّل عائقًا أمام حملات الاعتقال التي تُنفّذ في ساعات الليل وعلى الحواجز، بأساليب تنتهك أبسط الحقوق الإنسانية.
ومنذ أكثر من عامين، لم يعد اعتقال الطالبات حدثًا استثنائيًا، بل أصبح احتمالًا قائمًا في أي لحظة، سواء بتهمة جاهزة أو دون تهمة أصلًا. وهذا يعني أن عشرات آلاف الطلبة في فلسطين يعيشون تحت تهديد دائم، ليس فقط بحرمانهم من حريتهم، بل بتعطيل مسيرتهم التعليمية وحرمانهم من حقهم البديهي في الدراسة والحياة الآمنة.
الأخطر من ذلك، أن ظروف الاعتقال الحالية لم تعد تشبه ما سبقها؛ فقد باتت أكثر قسوة، وأكثر تجريدًا للإنسان من كرامته، في ظل تصاعد سياسات العزل، والتنكيل، وسوء المعاملة، وحرمان المعتقلين من أبسط حقوقهم الإنسانية.
ليلة الاعتقال: اقتحام لا إنذار

في هذا السياق، نسلّط الضوء اليوم على قضية الأسيرة سلام رزق الله سلمان كساب، الطالبة الجامعية التي تحوّلت من مقاعد الدراسة إلى زنازين الاحتلال، لتكون واحدة من عشرات الطالبات اللواتي يدفعن ثمن كونهن فلسطينيات، في زمن بات فيه ادّعاءً أن العلم يهدد الاحتلال.
سلام، ابنة العشرين عامًا، من بلدة قريوت جنوب نابلس، طالبة سنة ثالثة في كلية التجارة بجامعة بيرزيت، تخصص تسويق رقمي. فتاة حالمة كانت تُعدّ نفسها لانطلاقة تواكب متطلبات هذه المرحلة من علم وعطاء، قبل أن يسلبها الاحتلال كل مقومات العمل والاستقرار باعتقالها فجر يوم 22 حزيران 2025، قبيل موعد تقديم امتحاناتها النهائية.
اقرأ أيضًا: الأسيرة سالي صدقة: قاصر في مواجهة السجون الإسرائيلية
في تمام الساعة الواحدة فجرًا، اقتحمت قوات الاحتلال منزل عائلة كساب في بلدة قريوت. قرابة عشرين جنديًا وثلاث مجندات داهموا البيت بشكل مفاجئ وبقوة مفرطة، دون أي إنذار مسبق. علّق الجنود على باب المنزل ورقة كُتب عليها: "لقد حذرناكم – تحريض"**. **ثم أُجبرت العائلة على الجلوس في الصالة دون حراك. بدأ الجنود بمناداة الأم باسمها قبل أن تعرّف عن نفسها، في مشهد يوحي بأن المعلومات التي كانت بحوزتهم مُعدّة سلفًا لهذه العملية.
تروي والدتها: "نادوني باسمي… حسّيت إنهم حافظين كل شي عنا". عندما طُلب من الأم إحضار هويتها، لحقتها المجندات إلى الغرفة وبدأن بالصراخ والطرق بالسلاح. وبعدها جاء دور سلام، التي طُلب منها إحضار هويتها وهاتفها. لم يُسمح لها بتوديع أهلها. قُيّدت يداها، عُصبت عيناها، وسُحبت بالقوة إلى خارج المنزل، فيما أُغلق الباب بوجه والدتها التي حاولت اللحاق بها. وهكذا، وخلال دقائق، تحوّلت الطالبة الجامعية إلى أسيرة ستخوض تجربة قاسية في ظروف منعدمة الإنسانية.
لم تستوعب العائلة ما حدث. دخلت الأم في حالة انهيار، وغرق البيت في صمت ثقيل لم يقطعه سوى البكاء والدعاء. تقول والدتها: "من يومها وأنا ببكي، مش قادرة أصدق إنها مش معنا، البيت فاضي وأرواحنا ناقصة". في تلك اللحظة، لم يكن هناك تفسير واضح، ولا لائحة اتهام، ولا حتى كلمة تطمئن العائلة على مصير ابنتهم.
بعد اعتقالها، نُقلت سلام أولًا إلى معتقل سالم، ثم إلى سجن الدامون، حيث تقبع حتى اليوم. كانت المعلومات عنها تصل العائلة بصعوبة، إما عبر أسيرات أُفرج عنهن، أو من خلال زيارات نادرة لمحامين متطوعين، في ظل غياب أي متابعة رسمية منتظمة.
عقاب لأجل الصلاة

خضعت سلام لتحقيق قاسٍ، ووجّهت لها تهمة “التحريض”، وهي تهمة فضفاضة تُستخدم بحق عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين. ويتم تأجيل محاكمتها بشكل متكرر دون حسم، حيث من المقرر أن تُعقد جلستها القادمة بتاريخ 11 فبراير 2025، لتبقى سلام في دائرة الاعتقال المفتوح، بلا أفق واضح، كما هو حال غالبية الأسرى والأسيرات.
يقبع في سجن الدامون، حتى لحظة كتابة هذا التقرير، قرابة 60 أسيرة فلسطينية، يعشن في ظروف شديدة القسوة: اكتظاظ شديد، عدد كبير من الأسيرات ينمن على الأرض، نقص حاد في الطعام، شح في الملابس بواقع غيار واحد لكل أسيرة، رطوبة وبرد قارس، غياب للخصوصية، وقمع متكرر. لكن أقسى ما في تجربة سلام أنها عوقبت لأدائها الصلاة في ساحة السجن، وعُزلت لأيام طويلة في زنزانة انفرادية.
تروي سلام، عبر شهادة نقلها محاميها الأستاذ حسن عبادي، تفاصيل ما تعرضت له خلال العزل: بعد التحقيق، نُقلت هي وعدد من الأسيرات متأخرًا إلى القسم، ومُنحن عشر دقائق فقط للاستحمام. كانت سلام يومها صائمة، فقررت أن تصلي الظهر والعصر معًا في ساحة السجن، ناسِيةً أن الصلاة ممنوعة هناك، وكأنها انفصلت عن واقعها للحظة لتؤدي فريضتها بأبسط صورة ممكنة.
ما إن أنهت صلاتها حتى صرخ أحد السجّانين: "ممنوع الصلاة بالساحة!". ورغم ذلك، أكملت حتى سلّمت. جاء العقاب فورًا؛ تم تقييد يديها وقدميها، تعصيب عينيها، ثم سحبها بالقوة إلى غرفة العزل. قضت أسبوعًا كاملًا في غرفة باردة، دون فورة، ودون تواصل، ودون أدنى مقومات إنسانية. وبعد ثلاثة أيام فقط من إخراجها، أُعيدت مرة أخرى إلى العزل لمدة ثمانية أيام إضافية. كل ذلك… فقط لأنها صلّت! وتقول سلام عبر محاميها: "إن كان عزلي في سبيل الحرص على صلاتي، فنِعم أجر المحترصين".
في 15 كانون الثاني 2026، زار المحامي حسن عبادي الأسيرة سلام في سجن الدامون. يقول: "كانت مبتسمة رغم كل شيء… قوية، هادئة، ترفع معنويات من حولها". نقل لها رسائل أهلها، فابتسمت كثيرًا، خاصة عندما سمعت رسالة والدها: "ابنتي الغالية، يا جمالًا في رمش الجفون، يا نور العيون ومائها، يا سكينة القلب المحزون… أكثري من ذكر ربك".
ورسالة والدتها: "يمّا، بخاف عليك من البرد، وبضل أدعي لك كل ليلة، الله يفك أسرك". فرحت أيضًا بخبر تحرر خالها، وبأخبار دراسة شقيقها، وبوعد صديقتها أن تكون إلى جانبها في يوم عرسها.
اقرأ أيضًا: على أمل اللقاء... تعيش عائلة الأسير عمار النجار
روت سلام للمحامي: “في العزل كنت أنشد: (ذكّرينا يا بقايا الأمس فينا) و(يا يمّه عتمات السجن). والآن بنشد للصبايا أناشيد الأسرى، وبنعمل لكل أسيرة حفلة ليلة ترويحتها… وصل سلاماتي لأهلي، إحنا بخير ومعنوياتنا عالية.” وبحسب شهادات أسيرات محررات، فإن سلام تتمتع بحضور خاص رغم صغر سنها، معنوياتها مرتفعة، محبوبة من الجميع. غياب سلام ترك فراغًا كبيرًا في بيتها. أم لا تنام من القلق، بيت فقد ضحكته، وانتظار ثقيل للحرية. تقول والدتها: "سلام كانت محبوبة من الكل… غيابها كسرنا".
سلام كساب ليست رقمًا في سجل الاعتقال. هي طالبة، ابنة، أخت، إنسانة حُرمت من حياتها الطبيعية لأنها فلسطينية، كما هو حال عشرات الأسيرات. ما تتعرض له الأسيرات اليوم هو سياسة ممنهجة تهدف لكسرهن نفسيًا وجسديًا، لكنها تفشل أمام إرادة الصمود. ورغم القيد، ما زالت سلام تصلي، وتنشد، وتبتسم، وتزرع الأمل في قلوب من حولها. وفي انتظار حريتها، تبقى قصتها شهادة حيّة على أن الروح الحرة لا تُسجن.

