بنفسج

الأسيرة هناء حماد: طفلة في أقبية السجن تنتظر العودة

الإثنين 02 فبراير

الأسيرة القاصر هناء حماد
الأسيرة القاصر هناء حماد

في سجون الاحتلال، لا تميز محاكم التوقيف غير الشرعية بين امرأة ورجل وحتى طفلة، ولا تقف عند حدود العمر أو حقوق الإنسان ولا الأطفال. تتكرّر مشاهد الاعتقال بحق القاصرات الفلسطينيات في ظل صمت دولي مرير، إذ تُسلب الطفولة وتُنتزع الطالبات من مقاعد الدراسة ويُزجّ بهن في زنازين لا تراعي أعمارهن ولا احتياجاتهن الإنسانية.

 من بين هذه القصص، تبرز حكاية الأسيرة القاصرة هناء هيثم حماد التي تحوّلت من طالبة تحلم بمستقبلها، إلى رقم جديد في سجل الاعتقال الإداري، على غير المعتاد لاعتقال القاصرين أصلاً!

هناء هيثم إسماعيل حماد، من مخيم العروب شمال الخليل، من مواليد 7 شباط 2008، طالبة في الصف الحادي عشر العلمي في مدرسة العروب الثانوية للبنات. فتاة في السابعة عشرة من عمرها، كان يفترض أن تستعد لامتحاناتها، وأن تعيش تفاصيل عمرها الطبيعي، قبل أن يقتحم الاحتلال حياتها فجرًا ويقتادها أسيرة.

لحظة الاعتقال : طفلة تبدأ قصتها بالضرب والتهديد

الأسيرة هناء حماد اعتقال دون تهم.jpg

في فجر التاسع من حزيران عام 2025، داهمت قوات الاحتلال منزل عائلة هناء في مخيم العروب شمال الخليل. اقتُحم البيت بعنف، وتعرّضت الطفلة هناء للضرب والتهديد، كما تم احتُجزت والدتها وحُقق معها قبل الإفراج عنها لاحقًا وفق ما أشارت له هيئة شؤون الأسرى في تقاريرها الرسمية.  اقتيدت هناء إلى التحقيق وهي لا تزال تحت وقع الصدمة، ليبدأ بعدها فصل طويل من المعاناة، بعيدًا عن عائلتها ومدرستها وحياتها الطبيعية.

بعد التحقيق الميداني والتنكيل بالطفلة هناء، أصدرت سلطات الاحتلال قرارًا باعتقالها إداريًا لمدة أربعة أشهر دون توجيه أي تهمة، وهنا دليل صارخ على أن المحتل لا يحتاج لأي مسوغ أو سبب ليعتقل أي فلسطيني! فإن لم يثبت التحقيق أية إدانة في قاموسه، يمكنه تحويل المعتقل للحكم الإداري دون تهم معلنة بحجة أنها ملفات سرية! في تجاهل كامل لكونها قاصرًا في هذه الحالة. نتساءل هنا، ما هي الأسرار التي قد تعصف بأمن كيانٍ محتل من قبل طفلة؟!

 لاحقًا، مُدد الاعتقال، لتصبح واحدة من عشرات الأسيرات الإداريات داخل السجون. هذا القرار حرمها من حقها في الدفاع عن نفسها، ومن حقها في التعليم، وأدخلها في دوامة اعتقال مفتوح لا سقف زمني له.


اقرأ أيضًا: عائلة الشيخ ماجد حسن: فردًا فردًا على قوائم الأسرى


قدم المحامي الفلسطيني حسن عبادي زيارات تطوعية للاطمئنان على أوضاع الأسيرة القاصر هناء حماد في سجن الدامون، تحدثت خلالها عن ظروف احتجازها القاسية: الغرفة رطبة، الجدران مليئة بالعفن، لا تهوية ولا شمس.  الماء غير صالح للشرب ولونه أبيض. غيار واحد فقط للأسيرة، دون ملابس بديلة. لا تتوفر أدوات نظافة، ولا حتى أمشاط الشعر.

كما أن عدد الأسيرات في ازدياد، والطعام قليل ورديء ولا تزداد كميته مع ازدياد الأعداد. أما الفورة، فلا تتجاوز ساعة إن حصلن عليها أصلًا، وتشترك فيها عدة غرف، مع عدد محدود من الحمامات، وسط ازدحام خانق يمنعهن من الاستحمام كما يلزم.

تعاني الطفلة هناء حماد وفق إفادات والدتها، من انحراف في العمود الفقري وتخدّر مستمر في قدميها، ومع ذلك، لم تتلقَّ أي علاج، رغم تقديم طلبات رسمية للمحكمة. حتى أن المسعف داخل السجن يرفض إعطاءها الدواء، بينما تزداد آلامها يومًا بعد يوم. ورغم ذلك تحاول الصمود، وتقول لمحاميها:  "تقلقش عليّ معنوياتي عالية."

"احكي لإمي ما تبكي"

الاسيرات في السجون.jpg

عاشت هناء تحت مراقبة دائمة بالكاميرات، وتتعرض للقمع المتكرر مع باقي الأسيرات، وسط صراخ وتهديد دائم.  القمع لا يقتصر على الضرب، بل يمتد إلى الحرمان، والإذلال، وكسر الإحساس بالأمان. تقول هناء إنها أصبحت تشعر بتحركات السجانين قبل اقتحام الغرف، وتدرك لحظات القمع قبل وقوعها. بعد أشهر من عزلها برفقة الأسيرة القاصر سالي صدقة في غرفة لوحدهن دون دمجهم مع بقية الأسيرات، أوصل المحامي خبرًا أفرح أسارير عائلتها بأنه تم نقلها إلى غرفة برفقة بقية الأسيرات قبل أيام قليلة من كتابة هذه القصة.

بعثت هناء برسائل مليئة بالقوة: "سلّم على إمي، لا تبكي أنا قوية، وبحفظ قرآن.. بدّي أطلع وأكمّل دراستي.. بتمنى أمي تفتح على سورة المؤمنون الآية 111."  (إنِّي جَزيتُهمُ اليومَ بما صبروا أنهم هم الفائزون) صدق الله العظيم

طلبت أن يُبلّغ أهلها بأنها بخير، وأن لا يقلقوا عليها، وأنها تحلم بالعودة لإكمال التوجيهي، وبأن تحتفل مع إخوتها كما كانت تتمنى. اعتقال هناء حرمها من التقدّم لامتحانات الثانوية العامة، كما حرمها من حياة طبيعية يفترض أن تعيشها فتاة في عمرها. تحوّلت أيامها إلى انتظار، وغرف مغلقة، وعدٍّ للأيام دون أفق واضح.


اقرأ أيضًا: فاطمة منصور: أم اقتلعها الاحتلال من حضن سبعة أبناء


تقول والدتها قبيل زيارة المحامي لابنتها الأسيرة بكلمات تفيض وجعًا: "أمانة مشتاقلها، نفسي أشوفها نسيت ملامحها." كلمات تختصر ألم أم تُحرم من ابنتها، ولا تملك سوى الدعاء والانتظار..!

بحسب هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير، فإن اعتقال هناء يأتي ضمن تصعيد غير مسبوق في سياسة الاعتقال الإداري، التي طالت مئات الفلسطينيين منذ بدء العدوان، بينهم أطفال وقاصرات، في انتهاك صارخ للقانون الدولي، وقصة هناء هنا ليست استثناءً، بل شاهد جديد على واقع تعيشه فتيات فلسطينيات كثيرات، حيث تتحوّل الطفولة إلى تهمة، والحلم إلى جريمة، والحرية إلى انتظار طويل.