بنفسج

"جكَر خلّوا الضو مضوي كل الليل": شهادات الأسيرات من سجن الدامون

الأحد 18 يناير

الأسيرات في سجن الدامون
الأسيرات في سجن الدامون

ليست زيارة محامٍ عادية، بل نافذة نادرة تتسرّب منها أصوات الأسيرات، كما هي: متعبة، حادّة، ومشبعة بالحنين. صباح 09.09.2025، وبعد انتظار 55 دقيقة في غرفة المحامين، بدأت جولة جديدة من زيارات المحامي حسن عبادي لأسيرات سجن الدامون، جولة تختلط فيها الإجراءات القانونية برسائل الأمومة، والأسئلة المعلّقة، وشهادات القمع اليومي.

غرفة "المغضوب عليها"

IMG-20260117-WA0061.jpg

كانت البداية مع الأسيرة لينا محمد رمضان (محتسب)، المولودة في 14 نيسان 1990 من الخليل، أم لأربعة أطفال، ومعلمة رياض أطفال، محتجزة منذ 2 نيسان 2025. لينا تقبع في الغرفة رقم 5، التي تصفها الأسيرات بـ "الغرفة المغضوب عليها" أو "غرفة القمعات"، إلى جانب إيمان الشوامرة، ياسمين شعبان، ربى دار ناصر، شيرين الحمامرة، أسيل حماد، وسلام كساب.

تقول لينا إن الأوضاع ازدادت سوءًا: "فصلوا غرف 1 و2 وصاروا قسم داخل قسم، وجابوا دفاية صحراوية كبيرة… مش معروف لمين".  لكن أكثر ما أثقل ليل الغرفة، كان الضوء: "حطّوا ضو جديد قوي جدًا، وسلّطوه علينا. صبية حاولت تحجب الضوء بمنشفة، هجّموا السجّانين وأخذوا المنشفة، وجكَر خلّوا الضو مضوي كل الليل".


اقرأ أيضًا: أم الشهيدين كارم ومحمد: رحيل المجاهدين المقبلين


تشكو الأسيرات من تقليص أوقات الاستحمام "فورة لكل 25 بنت"، ونقص الطعام، رغم إعادته لاحقًا بعد احتجاج، فيما تبدو صواني الطعام في مدخل السجن وكأنها وسيلة «مجاكرة» أكثر منها إطعامًا. تطلب لينا إيصال سلاماتها لأطفالها وزوجها ووالديها، ثم تفاجئ المحامي بسؤال يقطر مرارة: "ليش من شهر 5 ما إجاني غيرك؟ُ

شهادة إسراء: الاعتقال العاري

IMG-20260117-WA0060.jpg

في زيارة لاحقة، التقى عبادي بالأسيرة إسراء أشرف محمود خمايسة 2 تموز 1996، مصوّرة من تفوح/الخليل. تسرد إسراء تفاصيل اعتقالها ليلة 11 أكتوبر 2025: اقتحام، تصوير قسري، تحقيق ميداني في عصيون، شتائم، حرمان من الحمام والصلاة، سخرية من مرض السكري، ثم نقل إلى الشارون فالدامون.

تقول بوضوح: "السجّانة جرّتني، عرّتني بالكامل وصوّرتني… شتمت أمي، وقلت لها اشتكيت عليك". إسراء في زنزانة 6، وقد خسرت 15 كيلوغرامًا من وزنها. الأكل شحيح، البرد قاسٍ، والمنظفات شبه معدومة. ورغم ذلك، لا تنسى إرسال سلاماتها، وتعازيها، وحتى خططها لما بعد الحرية: "بس أطلع، بدي أعمل تخفيض 70% لبنات الدامون ع التصوير".

شيماء أبو غالي: التمديد القاتل

IMG-20260117-WA0058.jpg

في ختام الجولة، كانت الزيارة الثالثة للأسيرة د. شيماء إبراهيم أبو غالي، طبيبة أسنان من جنين، معتقلة إداريًا منذ 29 نيسان 2025. . تلقت خبر تمديد اعتقالها الإداري للمرة الثالثة بصدمة: "مسكت ورقة التجديد وتذكّرت آخر حضن لابني عمر… ما كنت أعرف إني بعد سنة برجع أحضنه". تصف السنة بثلاثة أحرف، لكنها 360 يومًا من القهر.  توجّه رسالة لابنها، لأختها، لإخوتها، وتختم باعتذار مؤلم لزوجها محمود، طالبة منه الدعاء. شيماء في الغرفة رقم 10، حيث القمعات مستمرة، البرد الشديد.

يقول المحامي حسن عبادي إن تكرار إلغاء الزيارات بسبب "تحفّظ محامين" بات يضاعف معاناة الأسيرات، اللواتي ينتظرن اللقاء كمساحة تنفّس وحيدة. في الدامون، لا تُقاس القسوة فقط بالإجراءات، بل بالتفاصيل: الضوء الذي لا يُطفأ، الطعام الذي لا يكفي، الرسائل التي تُحمَّل على زيارة واحدة. هنا، لا تنتهي الزيارة عند باب السجن، بل تبدأ رحلة أخرى: إيصال السلامات، وحمل الوجع، وترك الأسيرات خلف القضبان… مع وعد متجدد بأن تُروى شهاداتهن كاملة، لا مختصرة، ولا منزوعة الروح.