قال رسول الله ﷺ: “مثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمِهم وتعاطفِهم كمثلِ الجسدِ الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحمّى”، وفي هذا الحديث الشريف تأكيدٌ واضح على أهمية الشعور بالآخر، والإحساس بالمسؤولية تجاه معاناة الأخ المسلم، باعتبار ذلك واجبًا أخلاقيًا وإنسانيًا.
ولعلّ أعظم مظاهر تعاضد المسلمين تتجلّى في شهر رمضان المبارك، إذ تتجسد معاني التكافل والتراحم بأبهى صورها؛ فتتضاعف الصدقات، وتنشط التكايا في إعداد وتوزيع وجبات الطعام للفقراء والمحتاجين.
ومؤخرًا، انضمّت فئة جديدة إلى قائمة المحتاجين، وهم النازحون، في ظل العدوان المتواصل منذ عام على مخيمات شمال الضفة المحتلة، لا سيما مخيمات طولكرم ونور شمس وجنين. فلم يعد الفقراء وحدهم يقصدون التكايا، بل أصبحت ملاذًا لأكثر من أربعين ألف فلسطيني أجبرتهم قوات الاحتلال على النزوح من منازلهم بعد أن دُمّرت بالجرافات وطُمست معالمها.
تبرعات أهل الخير أسهمت في تعزيز قدرة التكايا على الاستمرار والتوسع، كواجب إنساني ووطني وأخلاقي، في ظل حصار المخيمات ونزوح آلاف العائلات وتقطّع سبل العيش أمامهم. وقد انعكس ذلك في زيادة أعداد الوجبات المقدمة بشكل مضاعف، إلى جانب توفير مستلزمات أساسية أخرى.
النزوح وتدهور الوضع الاقتصادي دفعا إلى مضاعفة عدد الوجبات المقدمة يوميًا، كما وسّعت التكايا نطاق عملها ليشمل توزيع مساعدات نقدية، وتوفير أغطية واحتياجات أساسية للنازحين الذين يطرقون أبوابها طلبًا للعون. كخلية نحل يعمل المتطوعون في تلك التكايا؛ فبعد إعداد أصناف الطعام المختلفة، يبدأون بتعبئتها وتنسيق عملية توزيعها على الفئات المستهدفة. وفي ساعات الصباح الباكر، تُفتح الأبواب، ويباشر الطهاة عملهم لضمان تجهيز الوجبات في الوقت المناسب، سواء للتوزيع الميداني أو لتسليمها مباشرة للعائلات.
تبرعات أهل الخير أسهمت في تعزيز قدرة التكايا على الاستمرار والتوسع، كواجب إنساني ووطني وأخلاقي، في ظل حصار المخيمات ونزوح آلاف العائلات وتقطّع سبل العيش أمامهم. وقد انعكس ذلك في زيادة أعداد الوجبات المقدمة بشكل مضاعف، إلى جانب توفير مستلزمات أساسية أخرى.
ويتنافس أهل الخير، لا سيما فلسطينيّو الداخل والشتات، في تقديم الدعم المالي، وكثير منهم يخصص تبرعاته زكاةً عن أمواله، في صورة عملية لمعاني التكافل. نزوح آلاف اللاجئين عن مخيماتهم يعني فقدانهم منازلهم ومصادر رزقهم وكل ما يملكون، ما اضطر كثيرين منهم إلى اللجوء لأقاربهم أو استئجار مساكن مؤقتة، الأمر الذي ضاعف أعباءهم المعيشية.
اقرأ أيضًا: رمضان وأسئلة العبادة: فقه الصيام في زمن الإبادة
وهكذا تحوّلت التكايا في الضفة المحتلة إلى طوق نجاة لآلاف العائلات، إذ توفر لهم الحد الأدنى من الأمن الغذائي، وتمنحهم شعورًا بالتكافل والانتماء في شهر الرحمة. في ظل ظروف غاية في الصعوبة، يعيش آلاف النازحين بعيدًا عن مخيماتهم التي تحوّلت إلى ساحات عمليات عسكرية، وعلى أمل العودة، يواصلون حياتهم مشتتين، بين انتظار الفرج والتشبث بما تبقى من أمل.
وفي 21 كانون الثاني/يناير 2025، بدأت قوات الاحتلال تنفيذ عملية عسكرية واسعة في مخيم جنين، امتدت لاحقًا إلى مخيمي طولكرم ونور شمس، واستمرت أيامًا عدة في مخيم الفارعة قضاء طوباس. وخلال العملية، عمدت الآليات العسكرية إلى تغيير معالم المخيمات عبر هدم مئات المنازل والمنشآت وتدمير البنية التحتية بشكل واسع، ما أدى إلى نزوح الأهالي الذين يعيشون اليوم ظروفًا قاسية بلا مأوى ثابت أو مصدر دخل

