بنفسج

حقائب مُثقلة بالخَوف: الأطفال بين الحواجزِ والمدرسة

الجمعة 06 فبراير

الحواجز الإسرائيلية في الضفة الغربية
الحواجز الإسرائيلية في الضفة الغربية

في الخَليل، وتحديدًا في المنطقةِ الجنوبية منها، لا تُفْتَتَحُ صَباحاتُ الأطفالِ بِـ "تحيّةِ العَلَم"، بَل بحواجزَ عَسكريّة، بواباتٌ حَديديّة، وجنودٌ مُدَجّجونَ بالأسلحة، هكذا يبدو المشهدُ للطّفلِ الفلسطينيّ أثناء ذهابه للمدرسة، في رحلةٍ يوميّة لا تُشبه قصص الأطفال أبدًا، رحلةٌ تَغْدو فيها الحقائبُ المَدرسيّة شاهدَ عَيانٍ على طفولةٍ تُنتهكُ كُلّ فَجْر.

تفتقرُ الطّريقُ في تلكَ المنطقة، لأدنى مَقومات الأمن، من حاجزِ أبو الرّيش، لحاجزِ وادي النّصارى، الّلذان يتربّصا بالخُطوات بكاميرا ترصدُ كلّ تحرّكاتهم، وأيدٍ موحِشة تَتَلَذّذُ بخلقِ الخَوْفِ لديهم كُلّ صَباح.

كيف تتعامل مع الحاجز؟

IMG-20260204-WA0078.jpg

في مدرسةِ "طارق بن زياد"، لا تُقاس المسافة بالكيلوميترات، بل بخَفَقانٍ مَجنون يتسارعُ كُلّما اقتربَ موعدُ الذّهاب إلى لمدرسة، ليبدأ اليومُ بنفسِ الغَصّة التي تُغلّف قلوبَ الأطفال ليعلموا أنّ الدّرسَ الأقوى لهذا اليَوم "كيفَ تتعاملُ مع الحاجز؟"، لينتصرَ عليّ على صديقهِ أحمد في رهانٍ عُقِدَ بينهما بأن لا يخافَ عليّ عندَ تَفتيشهِ اليَوم، ولا يَرتجفَ أبدًا.

هذه المَدرسة التي تحوّلت من كَونها صَرح عِلم، إلى قلعةِ صُمود يكسرُ طلبتُها يوميًا حصارًا نفسيًا وجسديًا تفرضهُ كينونةُ البلادِ المُحتلّة، يوميًا يستيقظ 550 طالبًا على واقعٍ مشوه؛ فلكي يصل الطالب إلى صفّه، عليه أن يعبر حواجزَ بأسماء بالكادِ يحفظها، لكنّهُ يحفظُ حقيقةَ كونِها محطات للإذلال اليومي.

يروي المرشد التربوي في المدرسة، الأستاذ عاصم القواسمة، أنّ اليومَ يبدأُ يتفتيش دَقيق لا يُراعي عُمر الطّلبة، وينتهكُ طفولتهم بشكل صارِخ، وقد يصلُ الأمر للضّربِ المُبرح دونَ سبب، أو اعتقال يمتدّ لساعات أو أيّام أو شهور بِلا سببٍ واضِح.

يوضح القواسمة، أنّ هذا الضغط المستمر يتحول بمرور الوقت إلى "قلق مزمن" واضطراب نفسي لا يغادر الطالب حتى في منزله. وعَبّرَ عن ذلك بقوله: "نحن لا نتحدث عن خوف عابر، بل عن أعراض تشبه الصدمة النفسية (PTSD)".

الأطفال على الحواجز

IMG-20260204-WA0079.jpg

لا يقف القلق عند بوابة المدرسة، بل إنّ أمهات الطلبة يعشن انتظارًا يوميًا يشبه الطقوس الثقيلة؛ توديعٌ يختلط فيه الدعاء بالخوف، وترقّبٌ لخطوات قد تتأخر بسبب حاجز أو جندي. تقول إحدى الأمهات: "أرسل ابني إلى المدرسة وكأني أرسله إلى امتحان نجاة، أُغامرُ بحياتهِ كلّ يوم خوفًا من المغامرةِ بمسقبله التّعليميّ". في هذه البيوت، لم يعد السؤال: ماذا تعلمت اليوم؟ بل: هل عدت سالمًا؟

تتطوّرُهذه الأزمة وصولًا لاضّطراباتِ النّوم والأكل، وكوابيسٍ ليلية تعيدُ تمثيلَ مشهد الجنديّ والسّلاح. هذا الانكسارُ النفسي لا يتوقف عند حدود الحلم، بل يُتَرجم إلى "اضطرابات سلوكية" عنيفة داخل الغرف الصفية؛ فالطفل الذي يُهان عند الحاجز، قد يفرغ غضبه في زميله، أو ينكفئ على نفسه في عزلة اجتماعية قاتلة، فاقدًا القدرة على التركيز والاستيعاب.

لم تعد الحواجز مجرد عائق مكاني، بل باتت معول هدم للعملية التعليمية برمتها. تشير دراسة حديثة أجريت على هؤلاء الطلبة إلى نتائج مفزعة: 67% من الطلاب الذين يمرون عبر الحواجز ونقاط التفتيش عجزوا عن تأدية امتحان واحد على الأقل بسبب الإغلاقات الفجائية.


اقرأ أيضًا: الحاجز الإسرائيلي: أداة عقابية تلتهم الروح والجسد


كما أشارت الدّراسات إلى انتشار ظاهرة "التّسَرّب المدرسيّ"، إذ يضطر الطالب لترك مقعده الدراسي هربًا من رحلة الرّعب اليومية. كما أنّ الطّرق البديلة عن الحَواجز لا تقلّ رُعبًا، فقد يلجأ الطلبة لسلوك طرق وعرة وخطرة وطويلة جدًا لتجاوز مناطق مثل "خربة قلقس" ومنطقة "الفحص" عند إغلاقها، ما يُنهكُ قواهم البدنية قبل بدء الحصة الأولى.

ما يتعرض له طلبة المنطقة الجنوبية في الخليل لا يُعد ظرفًا استثنائيًا، بل انتهاكًا ممنهجًا لحق أصيل كفلته القوانين الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل التي تضمن حق التعليم الآمن دون عوائق. غير أن الحواجز العسكرية تحوّل هذا الحق إلى امتياز مشروط بمزاج الجندي. التعليم هنا لا يُقيَّد بالمنهج، بل يُحاصر بالسلاح، في مشهد يُفرغ القانون الدولي من مضمونه، ويضع الطفولة الفلسطينية في مواجهة مباشرة مع منطق القوة.

الإغلاق العشوائي للمنطقة الجنوبية بالخليل يعني ببساطة "إعدام اليوم الدراسي". الغيابات المتكررة ليست خيارًا للطلبة، بل هي قدرٌ يفرضه "أمر عسكري" بإغلاق بوابة حديدية. هذا الانقطاع القسري يخلق فجوات أكاديمية وتراجعًا حادًا في التحصيل الدراسي، ما يجعل الفارق التعليمي بين هؤلاء الطلبة وأقرانهم في المناطق المستقرة يتّسع يومًا بعد يوم.

الأطفال: جسد قابل للاشتباه

IMG-20260204-WA0080.jpg

على الحاجز، لا يُعامل الطفل كطفل، بل كجسدٍ قابل للاشتباه. حقيبته المدرسية تُقلب كما لو أنها تحمل تهديدًا، وكتبه تُفتَّش ببرودٍ لا يرى فيها الجندي سوى احتمال الخطر. هذا الاحتكاك اليومي مع السلاح يفرض على الجسد الصغير يقظة قسرية، ويعلّمه باكرًا لغة الخضوع أو التحدي. الزمن هنا لا يُقاس بجرس الحصة، بل بمدة الوقوف تحت الشمس أو المطر، منتظرًا إشارة مرور. في هذه اللحظة، يتعلم الطفل درسًا قاسيًا خارج المنهاج: أن براءته وحدها لا تكفي لعبور الطريق.

ورغم هذا المشهد القاتم، تتشكل داخل أسوار المدرسة أشكال مقاومة هادئة. معلمون يعيدون الشرح مرارًا لتعويض الغيابات، ومرشدون يحاولون ترميم النفوس قبل الدفاتر، وطلبة يصرّون على الحضور حتى لو وصلوا متأخرين أو منهكين. هنا، يصبح الذهاب إلى المدرسة فعلًا سياسيًا غير معلن، ويغدو القلم أداة صمود لا تقل خطورة عن أي سلاح. إنها مقاومة بلا شعارات، لكنها يومية، عنيدة، وتراكمية.


اقرأ أيضًا: الغائبة جسدًا.. الحاضرة وجعًا: ماذا يعني أن أكون ناجية وحيدة؟


الخطر الأكبر لا يكمن في الحاجز ذاته، بل في ما يتركه وراءه. فهذه التجربة لا تنتهي بانتهاء اليوم الدراسي، بل تُخزَّن في الذاكرة كصورة قابلة للاستدعاء في أي لحظة ضعف أو ضغط. يكبر الطلبة وهم يحملون خوفًا مؤجلًا، يتسلل إلى خياراتهم المستقبلية، وإلى علاقتهم بالمكان والتعليم والسلطة. هكذا، تتحول المدرسة من مساحة أمان إلى محطة قلق، ويتحوّل الطريق إليها إلى جزء من سيرة ذاتية قسرية، تُكتب مبكرًا، وترافقهم طويلًا، حتى بعد أن يخلعوا الزي المدرسي.

إنَّ معركة أطفال "طارق بن زياد" ليست في دفاترهم فحسب، بل في كل خطوةٍ يخطونها فوق شوك الحواجز. إنهم يبرهنون أنَّ الوعي هو القلعة التي لا تُطال، وأنَّ إرادة التعلّم أقوى من "أبو الريش" ومنطق الأسلاك. يذهبون إلى فصولهم ليؤكدوا أنَّ الحقيبة المدرسية، رغم ثقل الخوف بداخلها، هي جسر العبور نحو الحرية. وبين حصارِ الجندي وإصرارِ الطالب، تبقى الحكايةُ فلسطينيةً بامتياز، يسطرونها كل صباح وهم يهمسون للعالم: "ونحنُ نحبُّ الحياةَ إذا ما استطَعنا إليها سبيلا".