بنفسج

مرح السطري: أم لشقيقاتها وقلب مثقل بالألم

الأحد 01 فبراير

أبناء الشهداء في غزة
أبناء الشهداء في غزة

قبل الحرب، كانت مرح حمتو السطري، 24 عامًا، تعيش حياة تشبه حياة أي طالبة جامعية في غزة. خريجة الإعلام واللغة العربية من جامعة الأزهر، لم تكن مسؤولياتها تتجاوز تفاصيل يومية بسيطة: ماذا سترتدي غدًا؟ متى موعد محاضرتها؟ وكيف ستمضي وقتها مع عائلتها؟ تقول مرح إن كل شيء كان متوفرًا، وإن وجود العائلة وحده كان كافيًا ليمنحها شعور الأمان. "كنا كاملين"، تختصر حياتها قبل الحرب بهذه الجملة، لكن هذا الاكتمال لم يدم طويلًا.

فقد مفاجئ

المصابين في الحرب

مع تصاعد القصف، نزحت العائلة إلى بيت خال مرح المقابل لمنزلهم، وهو بيت أرضي اعتبروه أكثر أمانًا من شقتهم في عمارة مرتفعة، خاصة أن "ليل غزة" كان مرعبًا للأطفال. اعتادت العائلة قضاء الليل هناك والعودة صباحًا إلى منزلهم. في مساء 24 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وفي لحظة تصفها مرح بأنها "عادية"، كانت العائلة مجتمعة، وفجأة، ومن دون أي إنذار، تحوّل كل شيء إلى سواد.

تتذكر صوت الحجارة وهي تتساقط، والنار التي اقتحمت المكان. للحظة، اعتقدت أنها ماتت ودُفنت تحت الأرض. حاولت رفع يديها، لكنها لم تستطع رؤيتهما من شدة العتمة. لم ينقذها سوى صوت شاب ينادي: "في ناس عايشة هون". أُخرجت من الشباك، ومع أول نفس هواء، أدركت الحقيقة الأقسى: المكان الذي قُصف هو ذاته الذي كانت فيه والدتها وشقيقاتها.


اقرأ أيضًا: آمال الخواجا: بديش ابني خالد يكون مجرد رقم


بدأت تصرخ وتنادي بأسمائهم دون إجابة. بحثت عنهم واحدًا تلو الآخر، حتى وجدت خمسًا من شقيقاتها. ظنت أن والدتها، كونها الأكبر سنًا، قادرة على إنقاذ نفسها. لكن سرعان ما أخبروها أن والدتها ترسل رسائل من تحت الركام، تطلب الأكسجين.

انتظرت قرب سيارات الإسعاف، على أمل أن تراها. شاهدت شقيقتها الصغيرة، ذات العامين، تُحمل بين أيدي المسعفين مغطاة بالسواد. قيل لها إنها ما زالت على قيد الحياة، فتمسكت بالأمل، وعادت تنتظر أي خبر عن والدتها.

ماما شهيدة

أبناء الشهداء

في ظلام الليل، جلست مرح مع شقيقاتها، حتى تلقت اتصالًا من شقيقتها المقيمة في الإمارات: "ماما استشهدت يا مرح". رفضت تصديق الخبر، وأكدت أن والدتهن بخير وستعود بعد أن تحصل على الأكسجين. صرخت هستيريًا، قبل أن تحاول إحدى الجارات تهدئتها بالقول إن أسماء الشهداء قد تكون خاطئة. مع أول ضوء للصباح، عادت مرح إلى شقتها. الزجاج كان محطّمًا في كل مكان، وقدماها تنزفان دون أن تشعر.

في المستشفى، انتظرت أمام ثلاجة الموتى لساعتين، غير قادرة على استيعاب استشهاد والدتها. ومع ازدحام الشهداء، أُخذت إلى المقبرة لتوديعها قبل الدفن. تقول مرح إنها كانت على يقين بأن والدتها ستستيقظ حين تناديها، لكن ذلك لم يحدث. كانت معها جثتا شقيقين آخرين، طفل وطفلة. "ما كان عندي رفاهية الوداع"، تقول.

رأفت… الفقد الذي تكرر

مرضى الحرب

لم يكن هذا الفقد الأخير. شقيقها رأفت كان يعاني من فشل كلوي منذ فترة، وكانت والدتها تخشى فقدانه. خرج من المستشفى قبل استشهادها بيومين، ولم يتمكنوا من إخباره بما حدث. حين اصطحبوه لتوديع والدته، كانت وحدة غسيل الكلى مقابل ثلاجة الموتى. دخل في صدمة استمرت أيامًا، ثم أُصيب بنزيف في الدماغ. لم يكن هناك اتصال ولا إسعاف، فركض شقيقه الآخر حافي القدمين إلى الهلال الأحمر.

بدأت رحلة المستشفيات، والعودة إلى البيت لساعات قليلة فقط. وفي 13 كانون الأول/ديسمبر 2023، صدر قرار النزوح من خان يونس إلى رفح. خرجوا بأغراض قليلة، على أمل أن تكون فترة قصيرة. لكن المعاناة تضاعفت: المستشفيات مكتظة، لا أسرّة ولا وحدات دم، ورأفت يعاني من نزيف دماغي ونوبات صرع.


اقرأ أيضًا: أمومة مبتورة: غزيات يٌقاومن البتر بأمومتهن


تنقلت مرح بين رفح وخان يونس وهي نازحة، حتى اليوم الذي حاصر فيه الجيش الإسرائيلي المستشفى. أُخرجوا بإسعاف واحد مع أربعة جرحى يصرخون من الألم. وصلوا إلى مستشفى النجار، وكانت الاتصالات مقطوعة. اعتقدت عائلتها أنها استشهدت، إلى أن عادت إليهم فجرًا.

في 11 شباط/فبراير 2024، صدرت تحويلة علاج لرأفت إلى مصر. كان من المفترض أن يرافقه عمها، لكنه مُنع من السفر، فوجدت مرح نفسها أمام قرار مصيري: إما أن تترك شقيقاتها وحدهن في غزة، أو أن تسافر مع شقيقها المريض. بعد محاولات عديدة، قررت الخروج مع شقيقاتها. وصلوا إلى مصر، ودخل رأفت المستشفى فورًا. كانت تحاليله سيئة للغاية، وأُدخل العناية المكثفة. وبعد ساعات قليلة فقط من وصولهم، توفي رأفت.

تصف مرح اللحظة بأنها قاسية بشكل لا يوصف: بلد غريب، أول سفر لها، إجراءات دفن معقدة، وحزن يتضاعف. وبعدها، صدر قرار من السفارة بضرورة مغادرة المستشفى لانتهاء الإقامة العلاجية.

وحيدة في غربتها

مرح السطري

تنقلت مرح مع شقيقاتها بين بيوت الناس في القاهرة، دون شعور بالأمان. اضطرت لاستئجار شقة سيئة بمبلغ كبير، استغل فيها حارس العمارة جهلها. حشرات، طفح جلدي، أسبوع كامل بلا طعام تقريبًا وبلا حركة. لاحقًا، انتقلت إلى شقة أخرى فارغة، وهناك شعرت بثقل المسؤولية أكثر من أي وقت مضى. "حسّيت إني بدي حد يساعدني… بدي راجل"، تقول بصدق موجع.

اليوم، تؤمّن مصروفها ومصروف شقيقاتها من خلال شقيقتها المقيمة خارج غزة، ومن دار جدها في القطاع. انقطع الاتصال بوالدها منذ النزوح إلى رفح، وبقي مصيره مجهولًا. غياب الوالدين معًا، في وقت كانت بأمسّ الحاجة إليهما، جعل مرح مسؤولة عن خمس فتيات في بلد غريب. تفكر بكل تفصيل: الطعام، الأمان، المستقبل. الخوف تحوّل إلى رعب نفسي، لكنها تحاول الاندماج بالمجتمع لأنه "لا خيار آخر".

نفسيًا، تقول مرح إنها لم تتعافَ حتى اليوم. خضعت للعلاج النفسي لمدة عام ونصف دون تحسن حقيقي. "الوقت ما عم بعالج، الشوق بزيد". حياتها اليوم مكرّسة بالكامل لشقيقاتها، وأي قرار تتخذه مرتبط بمستقبلهن. ما يمنحها القوة، كما تقول، هو الله، ووجود شقيقاتها حولها، وصحتها التي تمكّنها من العطاء. وفي رسالتها للعالم، تختصر مرح قصتها وقصة شعبها بقولها: "إحنا أحسن شعب، ومن حقنا نعيش بسلام… والباقي بنعمله إحنا".