لم يكن سهلًا أن تولد أزهار البنفسج من بين الحريق، وسط هذا الكمّ الهائل من الأنقاض، في مكان كُتب عليه الإعدام والنفي الطويل. قاومتُ بالطريقة التي علّمني إياها مقاومو القلم، كما علّمني غسان كنفاني ومحمود درويش؛ قاومتُ بالكتابة. كانت القضية كلها قلمًا: قلمًا لنكتب، قلمًا لنقول، قلمًا لنقاوم، وقلمًا ليصغي العالم إلى صوت الضحايا، حتى لا تبقى المذبحة غيبية، ولا يشوّهها ضجيج التفاهة الرقمية، ولا يكبر أبناؤنا على روايات الهزيمة وحجج «من باع الأرض».
من هنا، كتبت رواية **«لا تخبري أحدًا»**، التي كنت أفضّل أن يبقى اسمها الأول «بقايا حالم»، لكن القدر شاء غير ذلك. ظننتها وصية أخيرة لأحلام شباب غزة، فخرجت شهادةً مكتوبة بالدم والصبر. كُتبت الرواية بين الرصاص ورائحة قنابل الغاز الخانقة، في أيام كنا نردد الشهادتين مئة مرة. كُتبت في لحظات انقطاع الماء، حين لم يكن للبقاء وسيلة سوى أكل علف الدواب، وفي زمن الفراق المؤبد والنحيب الطويل. كُتبت لتكون شاهدةً وشهيدة على أمل ضحايا كُتبت عليهم واحدة من أبشع الإبادات الجماعية في التاريخ الحديث.
كانت رسالةً خرجت عبر دماء الأبرياء. نعرف جميعًا أسطورة طائر العنقاء الذي ينهض من الرماد، لكنني للمرة الأولى آمنت أن العنقاء ليست أسطورة. رأيتها مدينةً كاملة؛ رأيت السهام الحارقة تخترق جناحيها، سمعت صراخها الثائر ودموعها الحزينة، وشاهدتها تقاوم بلا شيء، تواجه القنابل بجناح. آمنت بها مدينةً عمرها آلاف السنين، كلما احترقت بعثت أجمل، أبهى، وأكثر إشراقًا.
اقرأ أيضًا: الكتابة حفظ للحضور: كيف ولدت رواية اغتيال الوتين
غزة… المدينة التي تستحق أن تكون موطن العنقاء. غزة التي تعلّم العالم كيف تُصنع المقاومة من بقايا حجر، كيف يُبنى الأمل، وكيف تولد الحياة من العدم. غزة التي لا تهزمها أقوى أسلحة الأرض، ولا تحالفات القوى العظمى، ولا حرق المحاصيل، ولا سكب الزيت، ولا ذبول الورد.
لا تزال الذاكرة تحتفظ بأيام المجاعة؛ كيف صنعنا خبزًا من العدس والمعكرونة لنصمد، كيف أكلنا حشائش الأرض لنعيش، وكيف شيدنا حياةً في قلب المقبرة. كانت عيني الشاهدة تبعث إشاراتها إلى قلمي، حتى لا يُزوَّر التاريخ بعدنا، وحتى لا يُقال يومًا إننا بعنا أرضنا. كتبت للأجيال القادمة التي ستشهد التحرير، ليعرفوا أن أجدادهم كانوا استثنائيين، وأنهم أجبروا الاستكبار العالمي على الانحناء.

