22 ألف أرملة، رقم يُقرأ في ثوانٍ، لكنه يختصر واقعًا إنسانيًا معقّدًا تشكّل خلال أشهر من الحرب، ويمتد أثره لسنوات طويلة قادمة. فبحسب إحصاءات رسمية صادرة عن جهات فلسطينية، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، خلّفت الحرب على غزة ما يزيد عن **22,700 امرأة فقدن أزواجهن ومعيل أسرهن**، في واحدة من أكبر موجات الترمل الجماعي في تاريخ القطاع.
هذا الرقم لا يصف فئة واحدة، بل يضم نساء من أعمار وخلفيات اجتماعية مختلفة: شابات تزوّجن حديثًا، وأمهات في منتصف العمر، وجدّات كنّ يعتمدن على أزواج مسنين، نساء عاملات وأخريات ربّات بيوت، يعشن اليوم في خيام النزوح، أو في بيوت متضررة، أو بلا مأوى واضح. بعضهن يعرفن مكان دفن أزواجهن، وأخريات ما زلن ينتظرن خبرًا عن مفقودين لم يُعثر على جثامينهم بعد.
هموم مشتركة… وقصص متباينة

ورغم اختلاف القصص الفردية، تتقاطع هموم الأرامل عند نقطة واحدة: **الفقد المزدوج**، فقدان الشريك، وفقدان المعيل. تقول بيانات وزارة التنمية الاجتماعية إن الغالبية الساحقة من هؤلاء النساء أصبحن المسؤول الوحيد عن إعالة أسر تتكوّن، في المتوسط، من أربعة إلى ستة أفراد، في ظل انهيار شبه كامل لسوق العمل، وتدمير البنية الاقتصادية في القطاع.
لم يعد الحزن مسألة شخصية فقط، بل تحوّل إلى عبء يومي يتقاطع مع أسئلة البقاء: كيف تؤمَّن لقمة العيش؟ كيف تُوفَّر الاحتياجات الأساسية للأطفال؟ كيف تُدار أسرة في بيئة نزوح وانعدام استقرار؟
اقرأ أيضًا: إخلاص العروق: عن صوت رضيعي الذي أنجاني من تحت الركام
في كثير من الحالات، وجدت الأرامل أنفسهن مضطرات للقيام بدور الأم والأب معًا، في وقت لا تتوفر فيه شبكات حماية اجتماعية كافية، ولا أنظمة دعم مستدامة قادرة على الاستجابة لحجم الكارثة.
وتشير تقارير أممية إلى أن النساء الأرامل في غزة يواجهن مستويات مرتفعة من الهشاشة الاقتصادية، خاصة في ظل فقدان الوثائق الرسمية، وتضرر المؤسسات الحكومية، وصعوبة الوصول إلى المساعدات بشكل منتظم. كما أن الأعباء النفسية، وإن كانت أقل ظهورًا في التقارير الرقمية، تُعد من أكثر التحديات حضورًا، في ظل غياب خدمات الدعم النفسي المتخصصة.
لسن أرقامًا

وراء كل رقم في هذه الإحصائية، قصة حياة كاملة؛ امرأة كانت تخطط لمستقبل بسيط، أُغلق فجأة، أطفال فقدوا والدهم، وانتقلوا فجأة إلى واقع جديد، أرزاق قُطعت، وأحلام توقفت، ومسؤوليات فُرضت دون تمهيد.
وإن اختزال الأرامل في أرقام يطمس تعقيد تجاربهن، ويُخفي الفروق الدقيقة بين من فقدت زوجها وهي في بداية حياتها الزوجية، ومن عاشت معه عقودًا، وبين من تملك شبكة دعم عائلية، ومن وجدت نفسها وحيدة تمامًا. فبعض النساء فقدن أزواجهن ومعهم أبناء أو إخوة أو مصادر دخل أخرى، ما جعل الفقد مضاعفًا، لا يقتصر على شخص واحد.
كما أن نسبة كبيرة من الأرامل لم تتح لهن فرصة الحداد الطبيعي، بسبب ظروف النزوح المستمرة، وضغط المسؤوليات، وانعدام الخصوصية، ما يُنذر بتداعيات نفسية طويلة الأمد، قد تظهر آثارها لاحقًا على النساء وأطفالهن معًا على شكل صدمات نفسية وموجات حزن شديد، فما معنى ألا يتاح الوقت للحزن والبكاء واعتباره رفاهية في الحرب، وما معى أن تتحمل الأم أسئلة أطفالها عن والدهم أين ذهب وما معنى أنه استشهد ولماذا، وهل إلى الأبد؟
22 ألف أرملة: محاولة أخرى لقراءة الرقم

كل هذه الأسئلة التي تحاصر الزوجة تزيد من أعبائها النفسية والاجتماعية كأن ومعيلة ومسؤولة عن حماية عائلة بأكملها. خصوصًا أنها ربما تكون مسؤولة عن عائلة زوجها أيضًا من كبار السن الذين كان زوجها يرعاهم، وباحتمال وجود أفراد مرضى أو من ذوي الإعاقة في العائلة أيضًا، وفي هذه الحالة تتضاعف المسؤولية ويصبح تفقد الزوجة لنفسها أمرًا يبدو مستحيلًا.
حين تقول الإحصاءات إن أكثر من 22 ألف أرملة خلّفتها الحرب في غزة، يبدو الرقم للوهلة الأولى توصيفًا دقيقًا لحجم الخسارة، لكنه في الحقيقة تبسيط قاسٍ لواقع أعقد بكثير. فالرقم لا يحصي عدد الليالي التي قضتها النساء في القلق، ولا عدد الأسئلة التي يطرحها الأطفال، ولا حجم التحوّل القسري في أدوار النساء داخل الأسرة والمجتمع.
تؤكد منظمات حقوقية أن هذا الترمل الجماعي سيترك أثرًا اجتماعيًا واقتصاديًا طويل المدى، يمتد إلى بنية المجتمع ككل، ويعيد تشكيل أدوار النساء، وأنماط الإعالة، والعلاقات داخل الأسرة الفلسطينية، في سياق يعاني أصلًا من حصار مزمن وانعدام أفق سياسي. وفي ظل غياب حلول جذرية، تبقى الأرامل في غزة عالقات بين الحداد والمسؤولية، وبين ذاكرة فقد لا تهدأ، وواقع لا يسمح بالتوقف، رقم يُقرأ في دقيقة…لكن آثاره ستُعاش لسنوات.

