بنفسج

من خلف الشاشات: نساء غزة ينتزعن فرصًا للعمل

الإثنين 12 يناير

العمل عن بعد في غزة
العمل عن بعد في غزة

في غزة، لم تكن الحرب مجرد حدث عابر انتهى بتوقف القصف، بل تركت آثارًا عميقة ما زالت تتحكم بتفاصيل الحياة اليومية، خاصة في سوق العمل. فحتى بعد توقف الحرب، ما زالت النساء يعشن تداعياتها: بنية تحتية منهكة، كهرباء غير مستقرة، إنترنت ضعيف، وذاكرة مثقلة بالخوف والنزوح والخسارة.

وسط هذا الواقع، برزت قصص لنساء خلقن لأنفسهن فرص عمل عبر الإنترنت، واخترن العمل الرقمي باعتبارها مساحة نجاة، ووسيلة للاستقلال المادي، وإثبات الذات في عالم لا يعترف بسهولة بخصوصية غزة وظروفها.

مها النجار: مشاريع فريلانسر تبدأ صغيرة وتكبر بالإصرار

inbound7396621404449745807.jpg

مها النجار واحدة من الشابات اللواتي اخترن العمل الحر عبر الإنترنت طريقًا للاستقلال المادي. تعمل مها في تنفيذ مشاريع فريلانسر متنوعة، وتقول إن بدايتها كانت متواضعة جدًا: "بدأت بمشاريع صغيرة، وكل يوم أتعلم أكثر، اخترت العمل أونلاين لأنه مرن ويفتح فرص حتى من غزة."

لم تكن رحلة مها سهلة، خاصة خلال فترة الحرب وما رافقها من نزوح وضغط نفسي كبير. لكنها ترى أن العمل عن بُعد منحها فرصة لإعادة ترتيب حياتها بعد تلك المرحلة الصعبة. وتضيف مها أن أكبر التحديات التي واجهتها ما زالت مستمرة حتى اليوم، وعلى رأسها الكهرباء والإنترنت: "أكبر التحديات بالنسبة لي هي الانقطاعات المتكررة للكهرباء والإنترنت، لأنها تؤثر على مواعيد التسليم وتركيزي."


اقرأ أيضًا: الكاميرا تحت القصف: السينما الوثائقية كفعل مقاوم في غزة


لمواجهة ذلك، طورت مها استراتيجيات خاصة بها، مثل تحميل الملفات مسبقًا وتنظيم وقت العمل حسب ساعات توفر الكهرباء، وأحيانًا استخدام الإنترنت المحمول كحل مؤقت. وعن تأثير العمل عن بُعد على حياتها، تقول : "أعطاني استقلالية مادية وحرية إدارة وقتي."

رغم لحظات الإحباط التي مرت بها، تؤكد مها أن الشغف وتعلم مهارات جديدة كانا الدافع الأساسي للاستمرار، وتختم حديثها بتفاؤل: "مستقبل النساء في العمل الرقمي واعد، والنساء في غزة قادرات على تقديم مشاريع مميزة وتحقيق استقلالهن المادي."

هديل صافي: التصميم الجرافيكي تحت ضغط الكهرباء والإنترنت

inbound5741997358224046335.jpg

في مجال التصميم الجرافيكي، تعمل هديل صافي على تنفيذ تصاميم لجهات وأفراد عبر الإنترنت. لكن هذا المجال، كما تقول، يتطلب وقتًا طويلًا وتركيزًا عاليًا، وهو ما تصعّبه ظروف غزة.

توضح هديل: "أول معيّق هو عدم توفر الكهرباء، كل شوي لازم أشحن اللابتوب عشان أقدر أصمم، وبرامج التصميم ثقيلة وبتسحب شحن كبير." وتضيف أن التفكير الإبداعي نفسه يحتاج إلى وقت وهدوء، وهو أمر يصبح تحديًا في ظل الانقطاعات المتكررة. أما الإنترنت، فتصفه بالمعيق الثاني: "بدي إنترنت سريع عشان أضل على تواصل مع الزبائن، وأي ضعف بالنت ممكن يسبب تأخير بالمشاريع."

خلال فترة الحرب، توقفت بعض أعمال هديل بسبب النزوح وصعوبة الوصول إلى أدوات العمل، بالإضافة إلى اعتقال والدها في السجون الاسرائيلية قرابة العام ونصف العام، واستشهاد أخيها الأصغر، وهي أم لطفل، مما وضعها في حالة وضغط نفسي صعب أدى لتوقف عملها لفترة وجيزة ، لكنها عادت تدريجيًا بعد انتهاء الحرب، محاولة استعادة استقرارها المهني وإعالة أسرتها رغم بقاء التحديات.

ربا القدرة: كتابة المحتوى في سباق مع الانترنت

inbound8160151080470371966.jpg

ربا القدرة، كاتبة محتوى، واجهت تحديًا مختلفًا: فقدان الفرص بسبب تأخر التسليم الناتج عن انقطاع الإنترنت. تقول ربا عن موقف لا تنساه: "مرة كنت شغالة على مشروع كتابة محتوى مع عميل من برا غزة، وفصل الإنترنت أكثر من مرة بنفس الأسبوع، حاولت أشرح له وضعي، بس ما كان متفهم. بالنهاية حكالي: آسفين، ما بدنا نكمل الشغل."

تضيف ربا أن أكثر ما كان يؤلمها ليس فقدان المشروع فقط، بل الشعور بأن العملاء لا يراعون خصوصية غزة: "كثير عملاء ما براعوا إنك من غزة، بالنسبة إلهم التأخير غير مبرر، حتى لو كان السبب خارج عن إرادتك." رغم ذلك، استمرت ربا في تطوير مهاراتها، وبناء شبكة عملاء أكثر تفهمًا، معتبرة أن الاستسلام يعني خسارة أكبر من مجرد مشروع.

رنين العبادلة: البرمجة وتجربة UX من غزة إلى العالم

inbound3216890181646111918.jpg

أما رنين العبادلة، فتعمل في مجال البرمجة وتجربة المستخدم (UX)، وهو مجال يتطلب تركيزًا عاليًا واتصالًا دائمًا بالإنترنت. خلال الحرب، واجهت رنين صعوبات كبيرة بسبب النزوح وفقدان الاستقرار، ما أثر على قدرتها على الالتزام بالمشاريع، لكنها لم تتوقف عن التعلم والتطوير. تقول رنين إن العمل الرقمي منحها شعورًا بالتمكين، رغم إدراكها أن البيئة المحيطة لا تزال غير مهيأة بالكامل لهذا النوع من العمل، خاصة للنساء.

القصص الأربع ليست استثناءً، بل نموذجًا لنساء قررن مواجهة الحرب والنزوح والمعيقات بأدوات جديدة. في غزة، لم يعد العمل الرقمي رفاهية، بل وسيلة بقاء، واستقلال، وصمود. ورغم كل التحديات، تثبت هذه النساء أن الإرادة قادرة على خلق فرص حتى في أكثر البيئات قسوة، وأن المستقبل الرقمي قد يكون أحد أهم مسارات تمكين النساء في فلسطين.