بنفسج

ثم غاب ساري إلى الأبد.. عن يتيمين وأب شهيد

الثلاثاء 13 يناير

زوجات الشهداء في غزة
زوجات الشهداء في غزة

"يا قلبي يا بابا"… كانت آخر ما قاله ساري قبل أن يستشهد، أرسلت له زوجته سجى صورة كريستل، ثم لحقتها بصورة دانييل، صورة بقيت وحيدة على الشاشة، بلا رد، بلا إعجاب. بعد وقت قصير، هز انفجار عنيف المكان. وضعت سجى يدها على صدرها، دون أن تتخيل أن الخطر كان أقرب مما ظنت، وأنه يحمل اسم زوجها.

حاولت النوم، لكن الليل كان ثقيلًا، مليئًا بشيء لا يُفهم. عند الرابعة فجرًا، أيقظتها شقيقتها بابتسامة غامضة، تقول إنها رأتها في المنام عروسًا تمشي إلى جانب ساري، تذكرت حينها حلمًا قديمًا، لم يمض عليه سوى يومين، رأت فيه نفسها أرملة. وقبل أن يهدأ قلبها، جاء الطرق على الباب، كلمة واحدة كانت كفيلة بأن تُسقط العالم: "ساري استشهد".

يستضيف بنفسج سجى أبو الروس، زوجة الشهيد الصحافي ساري منصور، لتروي تفاصيل لحظة الفقد الأولى، وتحكي عن دانييل وكريستل، طفلين كبرا على غياب الأب، وعن وجع الفراق الذي واجهته بقلب أم، اختارت أن تكون قوية كي تحمي طفليها من الحزن.

يوم أن رحل

inbound2483649996766126802.jpg

في 18 نوفمبر 2023، وبينما كانت تتوق إلى لحظة آمنة تجمعها بزوجها وطفليها في بيتهم، وصلها الخبر الذي نهش روحها: "زوجك استشهد".
قبل ذلك بيوم واحد، كان قد جاء لزيارتهم وتناول الغداء معهم، في زيارة مختلفة عن سابقاتها، كانت الأولى التي يبقى فيها طوال اليوم، كأنه جاء ليودعهم دون أن يقول كلمة وداع.

تقول سجى بصوت متحشرج: "منذ بداية الحرب، أرسلني والأولاد إلى بيت أهلي، ومن هنا افترقنا، ليمارس هو عمله كصحافي، ويوم استهدافه ظل يتواصل معي عبر الإنترنت، لأرسل له صور الأولاد تباعًا، وبينما كان يحدثني قُصف واستشهد، فهل يا ترى رأى صورة صغيرنا دانييل قبل الرحيل، هل كان سيكتب "دير بالك على إمك وأختك يا بابا".


اقرأ أيضًا: فاطمة البلتاجي: أم المؤنسات الشهيدات الصغار


وعن لحظة تلقيها الخبر، تروي سجى أن والدها جاءها بعد أن بلغه نبأ استشهاد ساري من أحد الجيران، دخل عليها مثقلًا بالعجز، لا يقوى على النظر في عيني ابنته، كانت تردد، وكأنها تتشبث بالأمل: "لا.. هو مصاب، مش مستشهد". حاول والدها أن يثبت قلبها، فحثها على الصبر قائلًا: "اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها، وإنا لله وإنا إليه راجعون".

لم تقو على الوقوف، ترنحت ووضعت يدها على قلبها، تحاول تهدئة نبضاته التي كانت تنطلق كسارية عاتية. أُخذت لوداع ساري، وكانت تلك المرة الأولى التي تودع فيها إنسانًا. تضيف: "كان قاسيًا عليّ أن أودع زوجي وسندي، لمسته وأنا أرتجف، فشعرت ببرودته، قبلته وأنا أعاتبه على خرق وعده لي بألا يرحل، لكنه رحل، وتركني أواجه وجع الغياب وحدي".

روح ساري

inbound4493620742711325866.jpg

في كل أحزان سجى التي واجهتها، كان ساري يهدئ قلبها الموجوع، بعد الولادة أصابها اكتئاب ما بعد الولادة، فكان يدعمها بكل ما أوتي من حنان واهتمام، تقول وهي تمسح وجهها برفق: "طلبت منه أن أفتح مشروعي التجاري الخاص، فدعمني ماليًا، ومعنويًا، لكن المشروع لم يكتمل، لأن شريكي الداعم قد رحل".

تصف سجى شخصيته قائلة: "كان صاحب المواقف الجميلة، طيبًا جدًا، متواضعًا، محبوبًا من الجميع، ومميزًا في كل شيء، صحافيًا مثابرًا يحلم أن يعمل في قناة الجزيرة، أنا أيضًا درست الإعلام، فكنا نصحح لبعض لغويًا حين تقتضي الحاجة".

رحل الرفيق وبقيت سجى مع ذكرياته، تنظر لها كلما مسها الحنين، تضيف وهي تُمسك بجلابيته: "كل يوم أمسك كاميرته المكسورة، وأشتم رائحته في قطعتين ملابس تبقيتا منه، عامين ولم تزل الرائحة منهما، ولا أنوي غسلهما أبدًا".

صورة متبقية

inbound6326957986153047030.jpg

تردف سجى بمرارة: "خلال الحرب، كنت أحكي له عن خوفي، أقول له: "أمانة تعال خلص توقف عن العمل، أنا خايفة"،  فيقول لي: "حبيبتي إذا صار لي شيء، تأكدي أنني على حق، وأننا كلنا جنازات مؤجلة ومشاريع شهادة، وافتخري بأن زوجك شهيد".

بعد استشهاد ساري أُجبرت سجى أن تكون أمًا وأبًا، مضطرة أن تجيب عن كل الأسئلة، "فأين بابا" كان سؤالهم المعتاد، تقول سجى: "طفلي دانييل كان عمره وقتما استشهد والده عامين ونصف، لم أستطع ان أشرح له أن والده شهيدًا، فصار يبكي كل ليلة وهو ينتظر أن يأتي، يتخيله يجلس معنا على الطعام ويعطيه الفاكهة، ويفتح له النافذة حتى يأتي".


اقرأ أيضًا: بين الفقد والذكريات: حارسات الحب يكتبن أملًا في صفحات الأمل


أما كريستل كان عمرها شهرين ونصف وقت استشهاد والدها ساري، لم تعرفه إلا من الصور، تنادي عليه عند رؤية كل صورة، تقبل صوره كل يوم، وتطلب منه تقبيلها، تضيف سجى: "كريستل بنتي ضحكت لساري قبل م يستشهد بيوم أول واحد بتضحكله كان يلاعب فيه بحكيلها أنا بابا اضحكي ضحكتلو ساري كان مبسوط كثير لأنه ضحكت اله أول واحد".

لا يزال ألم غياب ساري يثقل قلب سجى، سبع مرات واجهت الموت هي وأطفالها ونجت، وفي واحدة منها انتشلت ابنها من تحت الركام بيديها. تكرر الرعب، وتكرر معه الإحساس بالفقد، وفي كل مرة كانت تدرك كم هي بحاجة إلى وجود والدهم، ليشاركها حمل هذا الثقل الذي لا يُحتمل.