مع بداية السنة الجديدة، يقف الإنسان على عتبة زمنية فاصلة، ينظر خلفه ليرى الماضي، وأمامه ليستكشف ما هو آت. ليست نهاية العام مجرد تبدّل أرقام وتواريخ، بل هي لحظة تأمل عميقة، يتحوّل فيها الشعور بالقوة إلى هشاشة، والحديث المفرط إلى صمت، كأن الزمن يمنحك فرصة صغيرة ومدة قصيرة لترتيب أفكارك ومراجعة ذاكرتك بهدوء.
تمرّ السنة بكل ما فيها؛ من أيام متشابهة تمرّ دون أثر واضح، وأخرى استثنائية نادرة تترك في النفس بصمة لا تُنسى. تمرّ بنجاحات صغيرة لم يلتفت إليها أحد، وبإخفاقات بدا أثرها كبيرًا وثقيلًا على القلب، لكنها في حقيقتها دروس صامتة تُشكّل وعينا دون أن نشعر.
في نهاية هذه الأيام، تُرسّخ لنا التجربة عنوانًا واحدًا: حياة عشناها وتعلّمنا منها، سواء أدركنا ذلك أم لم ندركه. فكل موقف مررنا به، وكل قرار اتخذناه أو تردّدنا فيه، كان جزءًا من بناء شخصيتنا الحالية. وفي نهاية العام، يتعلّم الإنسان قيمة الوقت؛ فكم من خطط كُتبت في بدايات متحمسة، ثم تآكلت بفعل الانشغال والتسويف. الزمن لا ينتظر أحدًا، لكنه يمنح الجميع فرصًا متساوية، ويبقى الفرق فيمن يُحسن استثمارها وتحويلها إلى واقع أفضل.
تعلّمنا نهاية العام أن العلاقات ليست عددًا بل أثرًا، وأن الصدق والاحترام هما ما يبقيان حين تتبدّل الوجوه وتتغيّر الأماكن. تضعنا نهاية السنة أمام خيباتنا دون أقنعة، وتكشف لنا ما كان علينا تجنّبه، وما كان يجدر بنا خوضه بشجاعة أكبر
ها هي نهاية السنة تطرح علينا أسئلة صادقة: ماذا أضفنا إلى حياتنا؟ وماذا أخذنا منها دون وعي؟ ماذا تعلّمنا من أخطائنا؟ وماذا تجاهلنا رغم وضوحه؟ في هذه اللحظة، يسترجع الإنسان علاقاته بالآخرين؛ أشخاص بقوا رغم الظروف القاسية، وآخرون غادروا بهدوء وربما دون وداع. ليست كل نهاية خسارة، فبعض النهايات ضرورة للنضج وتصحيح المسار.
تعلّمنا نهاية العام أن العلاقات ليست عددًا بل أثرًا، وأن الصدق والاحترام هما ما يبقيان حين تتبدّل الوجوه وتتغيّر الأماكن. تضعنا نهاية السنة أمام خيباتنا دون أقنعة، وتكشف لنا ما كان علينا تجنّبه، وما كان يجدر بنا خوضه بشجاعة أكبر. قد يشعر البعض بثقل التعب أو بخيبة أمل مما لم يتحقّق، لكن الاعتراف بالتعب هو أول طريق التعافي، ومواجهة الخيبة بداية حقيقية لتغيير الاتجاه.
ورغم ما تحمله نهاية السنة من أوجاع ومراجعات، فإنها تفتح باب أمل جديد لإصلاح الأخطاء. فالتغيير لا يبدأ بقفزات كبيرة، بل بخطوات هادئة، وعادات صغيرة، ونوايا صادقة. من يدرك ذلك لا يُثقل نفسه بوعود لا يستطيع الوفاء بها، بل يختار طريقًا واضحًا يمشي فيه بثبات. في النهاية، تبقى السنة صفحة من كتاب العمر؛ لا يمكن تمزيقها ولا إعادة كتابتها، لكن يمكن فهمها جيدًا، والبناء بعدها بوعي أكبر، وهدوء أعمق، وثقة صادقة بالمستقبل.

