بدأت الكتابة بعد استشهاد أخي أحمد بشهر، ومع شعور الفقد الكبير والفراغ الذي بقي بداخلي، شعرت أن عليّ أن أشارك العالم قصته، وأن أنقل أثره في حياتي لكل من يريد أن يعرفه. لم يكن مجرد أخ بالنسبة لي، بل كان النور والضحكة والبهجة في كل لحظة.
شعرت أن الكتابة هي الطريقة الوحيدة لأحافظ على حضوره معي، وأجسّد كل مشاعر الحب والحنين والفراغ الذي تركه رحيله. كانت الكتابة بالنسبة لي طقسًا يوميًا، غالبًا في ساعات المساء المتأخرة حين يسكن العالم حولي، وأجلس وحيدة مع أوراقي ودفاتري، أسترجع أحداث وذكريات حياتنا معًا، أتذكر ضحكاته الصغيرة في الصباح، نصائحه واهتمامه بنا جميعًا.
كنت أعيد الشعور لحظة سماعي خبر استشهاده، لأتمكن من نقله على الورق، وكل كلمة كانت محاولة لإبقاء جزء منه حيًا في عالمي. حرّرت الرواية أكثر من مرة، وعدت للكتابة مرات ومرات. كنت أراجع كل مشهد وأعيد صياغته لأصل إلى شعور صادق وقريب من الواقع.
كنت أعيد الشعور لحظة سماعي خبر استشهاده، لأتمكن من نقله على الورق، وكل كلمة كانت محاولة لإبقاء جزء منه حيًا في عالمي. حرّرت الرواية أكثر من مرة، وعدت للكتابة مرات ومرات. كنت أراجع كل مشهد وأعيد صياغته لأصل إلى شعور صادق وقريب من الواقع. في النهاية وجدت أن أفضل طريقة هي اتباع سلسلة القدر نفسها، بحيث تتتابع الأحداث كما جاءت في الواقع، صادقة كما شعرت بها في قلبي.
كل فصل من فصول الرواية يمثل لحظة محددة، تجربة، شعورًا، أو حدثًا ترك أثرًا في حياتنا، وحاولت أن أعكس كل ذلك بدقة وبصدق، حتى يشعر القارئ وكأنه يعيش معنا كل تلك اللحظات.
من أكثر المواقف تأثيرًا فيّ أن جسده بقي على الأرض أسبوعًا كاملًا بعد استشهاده، وأن كل ما تبقى من أخي هو رفات عظام، وأنه لن يرى طفله القادم…
أما ذكرياته فكانت حاضرة في كل زاوية من البيت، في كل ضحكة، وفي كل دمعة. كل زاوية وكل شيء حولي يذكرني به، وكل ذكرى كانت تضاعف شعور الفقد، لكنها في الوقت نفسه كانت تذكرني بمدى قيمة وجوده في حياتنا.
اقرأ أيضًا: ماذا نُخفي حين نقول: "رحل مُقبِلًا غير مُدبِر؟"
جاءت فكرة الرواية من شعور عميق في قلبي، شعور بأن عليّ أن أحكي للعالم عن أخي وعن ما فقدته، لأشارك الناس مقدار الحب الذي زرعه في حياتنا ومدى تأثيره فينا جميعًا. اخترت عنوان الرواية «اغتيال الوتين» لأنه كان أقرب وصف لما شعرت به: أن حبل الوتين في قلبي انقطع، وأن جزءًا كبيرًا من حياتي قد انتهى برحيله.
كانت الفكرة أن تكون الرواية أكثر من مجرد سرد للأحداث؛ أردت أن تكون انعكاسًا لمشاعري، للذكريات، وللتجربة الإنسانية التي نعيشها حين نفقد من نحب. كل فصل يعكس لحظة أو شعورًا محددًا: فقدان، فراغ، حزن، حب، فرح، ضحك، وحتى لحظات الغضب واليأس. بهذه الطريقة أصبحت الرواية رحلة عاطفية، يعيشها القارئ مع كل كلمة، وكأنه جزء من القصة، أو شاهد على كل لحظة وأثر تركه أحمد في حياتنا.
من خلال الفصول حاولت أن أدمج التفاصيل اليومية التي أحبها وأتذكرها معه: ضحكاته معنا، اللحظات الصغيرة في البيت، تعابيره حين كان سعيدًا أو حزينًا، كل هذا لتصبح الرواية أكثر قربًا وصدقًا. كانت عملية الكتابة صعبة، واجهت خلالها ألمًا كبيرًا، لكن كل كلمة كانت بمثابة خطوة نحو تحويل الحزن إلى شيء حي يمكن أن يلمسه الآخرون ويشعروا به.
كل هذه الكتابة هي هدية له في ذكرى يوم ميلاده، دعاء حي من كل قلب يقرأها، لتبقى ذكراه حاضرة رغم الغياب. هدية أحمد ليست مجرد صفحات مكتوبة، بل هي محاولة لنقل كل لحظة حيّة عشناها، كل ضحكة، كل دمعة، وكل ذكرى تبقى محفورة في قلبي وقلوب من أحبوه. أريد لكل شخص يقرأها أن يشعر بشيء من حضوره، وأن يصل دعاء صغير من قلبه إلى روحه، ليبقى حاضرًا معنا، حتى ولو غاب جسده عن هذا العالم.
لقد كانت هذه الرحلة مع الكتابة صعبة، مليئة بالحزن، لكنها أيضًا كانت مملوءة بالحب والحنين، محاولة لإعادة بناء جزء من حياتي بعد فقدان جزء منها. الكتابة جعلتني أواجه كل شعور داخلي، كل فراغ ووجع، وحوّلت كل ذلك إلى كلمات تستطيع أن تنبض بالحياة على الورق، وتصل إلى القلوب، لتصبح الرواية رسالة، دعاء، وذكرى حيّة لأخي أحمد، الذي ترك أثرًا لا يُمحى في حياتي وفي حياة كل من عرفه.
اقرأ أيضًا: ذاكرة الشهداء: كلمات تبقى ما بقي الوطن
هذه الرواية ليست حكاية تُروى بقدر ما هي جرحٌ يتكلّم… «اغتيال الوتين» تمضي في دروب الفقد حين يكون الحب سابقًا للغياب، وحين يطرق الفرح بابًا يعرف مسبقًا أنه سيتصدّع. هي كتابة عن إنسانٍ عاش بيننا ثم صار ذكرى نابضة، وعن قلوبٍ حاولت أن تُكمل الحياة وهي تحمل أسماء من رحلوا في نبضها.
الرواية تُقارب الفقد لا بوصفه نهاية، بل بوصفه تحوّلًا؛ من حضورٍ ملموس إلى ظلٍّ حارس، من صوتٍ مسموع إلى صدى لا يخفت. بين السطور، نلمس تفاصيل الحياة اليومية التي تستمرّ رغم الثقل، ونرى كيف يصبح الحب أقوى حين يُختبر بالغياب. «اغتيال الوتين» ليست رثاءً فقط؛ إنها شهادة حب، ومحاولة للنجاة، واعتراف بأن بعض الرحيل لا يُمحى، بل يُعاد ترتيبه داخل القلب.
الفصل الأول: حين يباغت الفرح قلبًا يعرف الفقد.. في هذا الفصل، نشهد البداية، حيث يلتقي الفرح بالحزن في لحظة واحدة. هنا تتكشف تفاصيل الحياة اليومية، وتبدأ الشخصيات في مواجهة صعوبة الفقد قبل أن يدركوا تمامًا ما حدث. إنه فصل عن المفاجآت القاسية، وعن محاولات القلب فهم الغياب.
يصبح الفقد أكثر وضوحًا وأكثر تأثيرًا على الداخل النفسي للشخصيات. العواطف تتصاعد، والذكريات تطغى على اللحظة الحاضرة. هنا، يشعر القارئ بثقل الألم، لكنه يتعرّف أيضًا على عمق الحب الذي يستمر حتى بعد الرحيل.
الفصل الثاني: صرخة الغياب.. هذا الفصل يعكس صدى الفقد بعد أن يصبح واقعًا مؤلمًا. نرى كيف تتعامل الشخصيات مع الغياب، وكيف يبدأ القلب بالاحتفاظ بالذكريات كملاذ للحياة. اللغة هنا حادة وحزينة، كما لو أن الكلمات نفسها تنزف.
الفصل الثالث: نزيف الروح.. في هذا الفصل، يصبح الفقد أكثر وضوحًا وأكثر تأثيرًا على الداخل النفسي للشخصيات. العواطف تتصاعد، والذكريات تطغى على اللحظة الحاضرة. هنا، يشعر القارئ بثقل الألم، لكنه يتعرّف أيضًا على عمق الحب الذي يستمر حتى بعد الرحيل.
الفصل الرابع: ظلّك باقٍ.. الخاتمة تكشف كيف يظلّ الغائب حاضرًا في التفاصيل الصغيرة من الحياة اليومية. الحب والذاكرة يصبحان القوة التي تحمي الشخصيات من الانكسار. هذا الفصل يمزج بين الحزن والأمل، ويختتم الرواية بدعوة للذكرى والدعاء للراحل.
لأعطيكم اقتباسات من الرواية: «حين يباغت الفرحُ قلبًا يعرفُ الفقد، لا يأتي كاملًا، يأتي حذرًا… كأنه يخشى أن يُكسر».. «لم أعرف من أين أتاني هذا الإحساس، لكن قلبي سبق الزمن ونعاه قبل أن يُغتال».. «الغياب لم يمحُ وجوده، بل جعله أعمق».. «هو لم يرحل؛ صار ظلًّا يلتفت حولنا، يحمينا، ويعلّمنا أن الحب لا يموت».. «نغلق الصفحات، لكن القلوب تظلّ مشرعة للذكريات».

