تمشي وترى الأحبّة والأقارب الذين جلست لمدّة طويلة لم ترهم، تطرب بأصوات البائعين التي أصبحت تعجّ السوق بحثًا عن لقمة الحلال ليطعموها لأطفالهم الذين لطالما ناموا وهم جوعى دون أن يأكلوا أيّ شيء يخفّف من عطشهم الشديد للأساليب الحياتية.
تركض بين المطر والبرق وأصوات الرعد متّجهًا وبأقصى سرعتك نحو خيمتك التي أيقنت وبشدّة أنّها غرقت وغرق من بداخلها بسبب المطر الغزير… وصلت إلى المكان، رأيت الأطفال يبكون، لكن دموعهم غير ظاهرة لأنّها اختلطت بزخّات المطر الشديد وأصوات الصراخ التي بدأت بالتلاشي مع ارتفاع صوت الرعد.
وفجأة، وأنت تمشي مبتهجًا وتبتسم لهذا وتسلّم على ذاك، يبدأ البرق بخطف الأبصار، ويتبعه صوت الرعد الذي أصبح أعلى من أصوات البائعين، والمطر الذي جعلك لا تفكّر إلّا بأهلك الذين تركتهم خلفك في الخيمة. تبدأ بالركض في الوحل وتتصوّر سيناريوهات مؤلمة لما سيحدث بهم.
تركض بين المطر والبرق وأصوات الرعد متّجهًا وبأقصى سرعتك نحو خيمتك التي أيقنت وبشدّة أنّها غرقت وغرق من بداخلها بسبب المطر الغزير… وصلت إلى المكان، رأيت الأطفال يبكون، لكن دموعهم غير ظاهرة لأنّها اختلطت بزخّات المطر الشديد وأصوات الصراخ التي بدأت بالتلاشي مع ارتفاع صوت الرعد.
يمتزج الطين والماء بملابسك، وتبدأ قدماك بالرجفة، لا تريد الإقلاع عن قدميك، لا تدري لماذا: هل بسبب البرد أم لخوفك على الأطفال من البرد؟
الأطفال الذين لطالما عاشوا وناموا تحت أصوات القتل والصراخ، الأطفال الذين لطالما ناموا وهم جوعى، الأطفال الذين نجوا بأعجوبة من عدّة مجازر.
اقرأ أيضًا: طفولة بلا جدران: ماذا يعني أن يفقد طفلًا بيته؟
الآن أراهم أمام عيني، شفاههم مزرقة مع اشتداد البرد، لا يوجد مكان آمن يختبئون ورائه. الخيمة التي كانوا ينامون فيها أصبحت الآن بركة طين وماء.
لا يوجد أيّ جدار ليقيهم من الهواء الذي كاد أن يمزّق أرواحهم من شدّة البرد.
يفتكرون بيتهم الذي كانوا يسكنون به، يتذكّرون الطعام الذي كانوا يتدفّئون به في هذه الأجواء، يتذكّرون الحفَف التي كانوا يتسابقون إليها لتقيهم من البرد. كلّ هذا وقد كانت جدران تقيهم المطر، لكن الآن بين الأرض والسماء: ماء يهطل، وماء يغوصون فيه، وهواء يصفع أجسادهم من كلّ اتجاه، لا يوجد ملاذ آمن.
هذه هي غزّة، كلّ بلاء هو امتحان يحدّد مدى قوّتها وثباتها. (غزّة ليست مسرحًا للتجارب، على كلّ طفل صغير العيش بمعظم حقوقه لعدم شعوره بالندم لمجرّد خروجه إلى الحياة).
في هذا الوقت، وسرعان ما خفّت الأمطار، وسرعان ما بدأت الشمس بالإقلاع في السماء. عاشوا أسوأ وأقبح دقائق في حياتهم، لم يكونوا يحلمون، بل كانوا في الواقع المرّ. مات العديد في المجازر وغرقوا بدمائهم، والآن يموت العديد أيضًا، لكن غرقًا بالماء. الموت يلحقهم ويتربّص بهم في كلّ مكان.
هم الآن يعدّون أيّام الشتاء يومًا بيوم بانتظار انتهائه، وانتهاؤه يعني انتهاء عقبة واحدة من عدّة عقبات قادمة تنتظرهم. وبعد هذه المأساة يبدأ الناس بالخروج من خيامهم مبلّلين، يبحثون ويتطمّنون على جيرانهم وأحبّتهم، ويبدؤون بالحمد والثناء لله على هذه النعمة رغم كلّ ما حدث بهم، ويتفائلون بالخير القادم.
هذه هي غزّة، كلّ بلاء هو امتحان يحدّد مدى قوّتها وثباتها. (غزّة ليست مسرحًا للتجارب، على كلّ طفل صغير العيش بمعظم حقوقه لعدم شعوره بالندم لمجرّد خروجه إلى الحياة). غزّة تلقاكم وبامتحان جديد…

