بنفسج

ماذا نُخفي حين نقول: "رحل مُقبِلًا غير مُدبِر؟"

الخميس 25 ديسمبر

ماذا تعني
ماذا تعني "رحل مُقبِلًا غير مُدبِر" ؟

"رحل مُقبِلًا غير مُدبِر" عبارة محمولة بالدلالة القرآنية والسنة النبوية والمحكية الفلسطينية، تُطلق على فئة نادرة من الفتية الذين خرجوا من ضيق الحياة إلى سَعة المعنى، وباعوا أرواحهم لله، كما وصفهم القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: 111).

ونبدأ بتعريفها في اللغة والاصطلاح ابتداء فـ مُقبل من الفعل: أقبلَ، في لسان العرب: أقبلَ عليه: توجّه نحوه بوجهه وقصده الإقبال: المضيّ نحو الشيء بعزمٍ ونيّة. والإقبال لغويًا لا يعني الحركة الجسدية فقط، بل: القصد في التوجّه، والثبات على الاتجاه. وله دلالة إيجابية في العربية، تقابل: الإعراض، والإدبار، والتولي، غير مُدبِر: المُدبِر من: أدبرَ. والدُّبر: الخلف، وأدبر عنه: ولّى ظهره، وانصرف، أو هرب.

"مُقبِلًا غير مُدبِر"

IMG-20251218-WA0006.jpg

وفي الاستعمال العربي: الإدبار هو الانسحاب، التراجع، الهروب، الانصراف عن الأمر بعد الإقبال عليه. وقولك "غير مُدبِر" ليس مجرد نفي للحركة، بل: نفي للهروب، ونفي للتراجع، ونفي للتخلّي بعد الالتزام. أما البناء اللغوي للعبارة "مُقبِلًا غير مُدبِر"، فهي عبارة تقوم على المقابلة البلاغية، وتجمع الفعل ونقيضه، وتُثبت المعنى بالتضاد. فالإقبال هنا: ليس مجرد التقدّم، بل التقدّم مع نفي كل احتمال للتراجع.

اصطلاحًا، تُستخدم عبارة "مُقبِلًا غير مُدبِر" للدلالة على: شخصٍ أقدم على أمرٍ خطير أو مصيريّ عن وعيٍ وقصدٍ وثبات، ولم يُظهر تراجعًا أو انسحابًا أو تخليًا عنه، ولو أدّى ذلك إلى فقدان حياته أو مصلحته. وتحمل العبارة في الاصطلاح ثلاث طبقات معنوية: طبقة أخلاقية تجمع بين الإقبال الذي يطابق صدق، وعدم الإدبار الذي يساوي أمانة للعهد. وتدل على الوفاء بالموقف حتى نهايته. وطبقة نفسية، صاحبها لم يُغلَب بالخوف، واجه المصير بوعي لا باندفاع أعمى، ولم يكن مكرهًا ولا هاربًا.

وطبقة رمزية – ثقافية، في الوعي الجمعي الفلسطيني خصوصًا وتُقال للشهيد أو المفقود الذي لم يُعرف عنه انسحاب، وتُستعمل كشهادة كرامة. وهي عبارة ثقيلة دلاليا لأنها لا تُقال لكل أحد بل تُمنح كشهادة أخلاقية وتُطلق بعد التحقق الرمزي لا الإخباري، ولهذا تُستعمل في الرثاء أكثر من الخبر.

مقبلًا غير مدبر قرآنيًا ونبويًا

IMG-20251218-WA0005.jpg

"مُقبِلًا غير مُدبِر" العبارة لا ترد حرفيًا بهذا اللفظ في القرآن والسنة، لكنها راسخة دلاليًا في النصوص، ويؤسّس لها مفهومًا وأخلاقيًا في مواضع عدّة، أهمها: . نفي الإدبار وإدانته وهذا يتجلى في قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ الأنفال: 15

وعدم تولية الأدبار تعني الثبات والمواجهة والإقبال. و تثبيت الإقبال بوصفه صدقًا مع الله متجليًا في قوله عز وجل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ﴾ الأحزاب: 23، وهذه الآية هي التجلي الأوضح لمعنى: "رحل مُقبِلًا غير مُدبِر"، لأنها تربط الرحيل بالصدق والثبات لا بالانسحا، والمعنى أيضا يحيل إلى الإقبال مقابل الإعراض كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ الليل: 5–7. في مقابل: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ﴾ والإقبال هنا موقف وجودي: اختيار الطريق رغم كلفته.

أما ما ورد في السنة النبوية فكان بمعنى النهي عن الفرار وربطه بالهزيمة الأخلاقية، كما قال رسول الله ﷺ: " "اجتنبوا السبع الموبقات" (أي المهلكات)، وذكر منها "التولي يوم الزحف". وقال ﷺ: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، وهذا الحديث لا يقيس الفعل بنتيجته بل بنيّته واتجاهه، وهو جوهر فكرة مُقبِلًا غير مُدبِر.

وعن أبي قتادة رضي الله عنه، أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ قائلاً: "أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم، إن قتلت في سبيل الله، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدين؛ فإن جبريل عليه السلام قال لي ذلك".

"مُقبِل غير مُدبِر" تُقال لمن خرج ولم يُعرف عنه تراجع، لمن اختفى في طريق المواجهة، لمن استُشهد دون أن يُعرف له انسحاب أو أسر، وهي شهادة أخلاقية لا وصف عسكري. وتشبهها عبارات قريبة في الدلالة المحكية الشعبية الفلسطينية مثل: "راح عَ الطريق وما لَفّ"، "طلع وما رجّع"، "واجه وما هرب"، "مات واقف"، "ما ولّى ضهره". كلها تقوم على ثنائية الكرامة / الإدبار.

أما ما يفهم من العبارة في الحياة اليومية الفلسطينية فهو: أولًا: رجلٌ من رجال الله: حين نقول "رجل من رجال الله" لا نصف الجسد ولا العُمر، بل نصف المقام. فالرجلية في المنظور القرآني ليست سنًّا ولا قوة عضل، بل ثبات موقف. يقول تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (الأحزاب: 23).

في رحلة الإقبال على الله

IMG-20251218-WA0003.jpg

وهؤلاء الفتية تجردوا حتى من أسمائهم. خرجوا بلا ضجيج، بلا صور، بلا وصايا منشورة. كما خرج مصعب بن عمير رضي الله عنه من مكة، تاركًا خلفه نعيمًا وزينة، ليعود يوم أُحد وليس عليه إلا بردة إن غُطّي بها رأسه بدت قدماه، وإن غُطّي بها قدماه بدا رأسه. فقال رسول الله ﷺ: "لقد رأيته بمكة، وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك كله حبًّا لله ورسوله". في غزة، تهب الأسر أبناءها لله كما تهب الأمهات أبناءهن للسماء وقلوبهن معلقة بالدعاء، لا يسألن عن الأثر ولا عن الخبر، فقط يرددن: "اللهم

تقبّل".ثانيًا: في رحلة الإقبال على الله: "الإقبال" ليس لحظة الرحيل فقط، بل مسار طويل من الصبر والمجاهدة. قبل أن يرحلوا، ثبتوا، جاعوا، عطشوا. عرفوا باطن الأرض أكثر مما عرفوا ظاهرها، ناموا على الخوف واستيقظوا عليه، لكنهم لم يجعلوه قائدهم. يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: 69)، فالهداية هنا ثمرة المجاهدة، لا شرطها.

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغيره أذلّنا الله". وهؤلاء الفتية أدركوا أن العزّة ليست في النجاة المؤقتة، بل في الثبات الطويل. جاهدوا خوفهم قبل أن يواجهوا عدوهم، وقطعوا مع أنفسهم عهدًا صامتًا: ألا يكونوا من الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، بل من الذين ﴿يُقْبِلُونَ﴾ ولو إلى الموت.


اقرأ أيضًا: فاطمة البلتاجي: أم المؤنسات الشهيدات الصغار


نخفي وجع الأمهات، نخفي الليالي الطويلة من الانتظار، نخفي الدعاء الذي لا ينقطع، نخفي السؤال الذي لا يُقال: "هل ما زال حيًّا؟". نخفي أيضًا خوفنا كبشر من الفقد، ونستعيض عنه بهذه العبارة المضيئة: "رحل مُقبِلًا غير مُدبِر". كأنها جدار معنوي يحمي القلوب من الانكسار الكامل. فهي لا تنفي الألم، لكنها تعطيه معنى. قال النبي ﷺ: "من قُتل دون دينه فهو شهيد"، ولم يقل إن الشهيد لا يُبكى عليه، بل بكى ﷺ حمزة، وبكى إبراهيم ابنه، وقال: "إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا".

ربما كانت أكبر سلوى لأهل المقاتل أن يعلموا أن صاحبهم لم يُكسر في قيد، ولم يُذل في تحقيق، ولم يُشوَّه في زنزانة. أن يعلموا أنه وصل حيث غاية الإقبال، ونجا من امتحان الأسر الطويل، ومن عذاب الانتظار الذي لا يُحتمل. في قصص الصالحين، كان كثير منهم يسألون الله حسن الخاتمة أكثر مما يسألونه طول العمر.

قال سفيان الثوري: "ما أبكاني على الدنيا إلا خوف سوء الخاتمة". وحين يُقال لأهل الشهيد إن ابنهم "رحل مقبلًا غير مدبر"، فإنها شهادة ضمنية بحسن الخاتمة. هي ليست عبارة تمجيد للموت، بل تثبيت للحياة بمعناها الأسمى. حياة لا تُقاس بطولها، بل باتجاهها. كما قال الحسن البصري: "إنما الدنيا أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك".