لم يكن حمزة العقرباوي باحثًا عابرًا في المشهد الثقافي الفلسطيني، وما يدل على ذلك تأثيره الكبيرى الذي أثر على الأحبة والأصدقاء والباحثين والناشطين والأهالي والمؤسسات التراثية والثقافية والبحثية؛ إذ كان خبر فقدان حمزة صادمًا ومؤلمًا على الجميع، كان حمزة متجولًا في جبال فلسطين وهضابها وحقولها وقراها مع مجموعة من الشباب، في رحلات ثقافية تعريفية.
وكان يحرص على زيارة المؤسسات الثقافية للأطفال واليافعين، يقص قصصه ويحكي حكايته بروحه العذبة ولهجته الفلاحية زيّه التراثي، كما كان يتنقل بين المسارح في فلسطين والأردن ليؤدي أدواره عن فلسطين. بل كان ابنًا للأرض التي كتب عنها، وامتدادًا لحكاياتها المنسية.
فلسطين تودع حكواتيها

وُلد في بلدة عقربا جنوب شرق نابلس، في بيئة ريفية مشبعة بعلاقة عضوية مع الأرض والزراعة والمواسم، وهي علاقة ستصبح لاحقًا جوهر مشروعه الثقافي. لم ينفصل العقرباوي يومًا عن مكانه الأول، بل حمله معه أينما كتب، وجعله مادةً للبحث والحكاية والتوثيق، فكان فلاحًا بالمعنى الوجودي، وباحثًا في الذاكرة الشعبية، وحكواتيًا أعاد الاعتبار للسرد الشفوي الفلسطيني بوصفه معرفة لا تقل شأنًا عن التاريخ الرسمي.
يتميز حمزة بكتاباته ومشاركاته البحثية، فيتقدّم المكان الفلسطيني عنده باعتباره كائنًا حيًا، ذا ذاكرة وصوت وتاريخ متراكم، لا مجرد جغرافيا صامتة. يكتب العقرباوي الأرض من الداخل، من علاقتها بالناس، بالفلاحين، بالمواسم، وبالأسماء التي لا تظهر على الخرائط الرسمية، لكنها محفوظة في الذاكرة الجمعية. هكذا تتشكّل كتابته كفعل مقاومة معرفية، تسعى إلى حماية هوية الأرض من المحو، وتثبيت ذاكرتها في مواجهة السردية الاستعمارية التي تعمل على اقتلاع المكان من معناه الإنساني.
اللافت في مشروعه أنه لا يكتب عن الأرض بوصفها ماضيًا منقضيًا، بل كحاضرٍ مهدد بالاقتلاع. كثير من مقالاته تُقرأ كأعمال إنقاذ معرفي: إنقاذ لاسم مهدد بالطمس، أو لمسار قديم.
لم يكن نشاط العقرباوي محصورًا في الكتابة، بل امتد إلى الجولات الميدانية، وجمع الحكايات، والاستماع إلى كبار السن، وتوثيق التفاصيل الصغيرة التي تشكّل نسيج الحياة الفلسطينية. في نصوصه، لا يفصل بين الحكاية والبحث، ولا بين السرد والتوثيق.
فمقالاته التي تتناول العيون المائية، وأسماء الخِرَب، والتقويم الزراعي الشعبي، تنطلق من تفاصيل تبدو هامشية، لكنها تتحول تحت قلمه إلى مفاتيح لفهم العلاقة العميقة بين الفلسطيني وأرضه. يعيد الاعتبار للرواية الشفوية، وللغة الناس اليومية، بوصفها خزّانًا للذاكرة ووسيلة لحمايتها من النسيان والتشويه.
اللافت في مشروعه أنه لا يكتب عن الأرض بوصفها ماضيًا منقضيًا، بل كحاضرٍ مهدد بالاقتلاع. كثير من مقالاته تُقرأ كأعمال إنقاذ معرفي: إنقاذ لاسم مهدد بالطمس، أو لمسار قديم، أو لطقس اجتماعي ارتبط بالمكان. الكتابة عنده ليست تأمّلًا في الذاكرة فحسب، بل محاولة لإعادة وصل ما قُطع بين الإنسان وأرضه، وإعادة تعريف الانتماء بوصفه معرفة ومسؤولية.
إرث باسل الأعرج وحمزة

هذا الاشتغال العميق على المكان والذاكرة يضع حمزة العقرباوي في تقاطع واضح مع مشروع الشهيد باسل الأعرج. فكلاهما آمن بأن معرفة الأرض شكل من أشكال امتلاكها، وأن السير فيها، وتسميتها، وقراءتها، هي أفعال مقاومة. مقالات العقرباوي يمكن قراءتها كامتداد ثقافي وفكري للمسار الذي فتحه باسل الأعرج، حيث تتحول الجغرافيا إلى نص، والتاريخ المحلي إلى أداة وعي ومواجهة.
كما باسل، لم يرَ العقرباوي الثقافة ترفًا أو نشاطًا منفصلًا عن الصراع، بل اعتبرها ساحة اشتباك حقيقية. لذلك، جاءت كتابته منحازة بوضوح للرواية الفلسطينية، لا عبر الخطاب الشعاري، بل عبر تفكيك أدوات الاستعمار: تغيير الأسماء، تشويه الحكاية، وقطع الصلة بين الإنسان ومحيطه الطبيعي. في مواجهة ذلك، أعاد العقرباوي بناء الحكاية الفلسطينية من أسفل، من أفواه الناس، ومن دروب الأرض، ومن ذاكرة المواسم.
في المحصلة، يشكل منتوج حمزة العقرباوي مشروعًا متكاملًا لحماية الحكاية الفلسطينية بوصفها جزءًا أصيلًا من هوية الأرض. هو مشروع حياة ونشاط ومعرفة، يلتقي في جوهره مع إرث باسل الأعرج، في الإيمان بأن الأرض التي تُروى حكاياتها تبقى حيّة، عصيّة على النسيان والاقتلاع.
برحيل حمزة العقرباوي، لا تُطوى سيرة كاتب فحسب، بل يُفتقد شاهدٌ عنيد على أن الحكاية الفلسطينية لا تزال قادرة على الدفاع عن نفسها. غاب الجسد، وبقي الأثر موزعًا في أثره، وفي أسماء الأمكنة التي أعاد إليها معناها، وفي الحكايات التي أنقذها من النسيان وتركها أمانةً للأجيال القادمة. لم يكن مشروعه تراكميًا بالمعنى الأكاديمي البارد، بل كان مشروع حياة، تُكتب فيه المعرفة من موقع الانحياز، ومن مسؤولية أخلاقية تجاه الأرض والناس.
بعد رحيل حمزة؛ لا تتركوا الحكاية وحدها، لا تسلّموا المكان للنسيان، ولا تقبلوا أن تُروى الأرض بلسان غير أهلها. كان حمزة يؤمن أن حماية الذاكرة لا تتم بالحفظ فقط، بل بالاستعادة، وبالسير في الأرض، وبإعادة تسمية الأشياء بأسمائها الأصلية، وبالإنصات الطويل لكبار السن، وللغة التي تحمل التاريخ في مفرداتها اليومية.
في هذا المعنى، يظل حمزة حاضرًا ما دامت الحكاية تُروى، وما دامت الأرض تُقرأ بوصفها نصًا مفتوحًا على المقاومة. حضوره لا يُختزل في سيرة، بل يمتد كأثرٍ ثقافي ومعرفي، يلتقي مع إرث باسل الأعرج وكل من آمنوا بأن المعرفة فعل نضالي، وبأن فلسطين لا تُحمى بالسلاح وحده، بل بالوعي، وبالذاكرة، وبحكاية تُروى في وجه المحو.

