بنفسج

طفولة بلا جدران: ماذا يعني أن يفقد طفلًا بيته؟

السبت 20 ديسمبر

أطفال لا يعرفون المنزل في غزة
أطفال لا يعرفون المنزل في غزة

في كل حرب على قطاع غزة، لا تُقصف البيوت وحدها، بل تُقصف معها أحلام الصغار وتُهدم طفولتهم قبل الجدران. في المخيمات المؤقتة، بين خيمة وأخرى، يمتد قماش مهترئ لا يعرف معنى الأمن. هناك تنام الطفولة بلا سقف يحميها، وتستيقظ على أصواتٍ لا تشبه زقزقة العصافير، ولا أبوابًا تُغلق لتمنحها الطمأنينة. أطفال غزة الذين فقدوا بيوتهم فقدوا معها جزءًا من طفولتهم وأمانهم. بعضهم لم يعرف شكل البيت يومًا، ولم يعش لحظة داخل غرفة حقيقية. وُلدوا في مراكز إيواء، وكبروا على أصوات القصف بدلًا من قصص ما قبل النوم.

 بيوتهم احترقت .. و قلوبهم تنزف ألمًا

ريان.jpg

في إحدى زوايا مخيم النزوح المؤقت جلس الطفل "ريان" الذي يبلغ من العمر سبعة أعوام على حجر صغير تحت قطع القماش المهترئة التي تغطي أعمدة خشبية، يحاول رسم بيتهم على التراب بأصابعه الصغيرة، بيتًا له أبواب ونوافذ وسقفًا لا يسقط عليهم كان يهمس لأخته الصغيرة: "هون كانت غرفتنا، وهون كانت أمي تعد الطعام، وهون كنا نلعب". لم يكن يعلم ريان أن هذا البيت الذي يحاول استعادته في خياله قد تحوّل إلى ركام منذ عام، وأنه لن يعود كالسابق إلى منزلهم الذي قصفه الاحتلال الإسرائيلي.

ريان ليس وحده، بل آلاف الأطفال الذين في عمره فقدوا منازلهم وحياتهم، والبعض منهم من فقد أسرته وبقى لوحده يعارك الحياة، والبعض الآخر فقد القدرة على الحلم. الحرب لم تسرق بيوتهم فقط، بل سرقت منهم طفولتهم و ذكرياتهم.  في هذا التقرير نغوص في أعماق الحزن والألم الذي يعيشه أطفال غزة، نستمع الي ذكرياتهم و قصصهم، ونحاول أن نفهم كيف تستمر حياتهم بعد أن فقدوا بيوتهم واحترقت قلوبهم ألمًا.

"كان عندي غرفة صغيرة وكان فيها شباك يطل على الشارع لأرى أصدقائي، وأحكي معهم، بس هلأ ما فيه لا بيت ولا غرفتي قصفهم الاحتلال". تقول: "ربا ذات العشرة أعوام وهي تبكي والدموع تذرف على خديها الورديين وتمسك بيد والدتها في خيمة النزوح. بيتهم قد دُمّر بالكامل في قصف ليلي، لم يبق من البيت سوى صور معلقة على قماش الخيمة التي التقطوها ما قبل الحرب بأسابيع عديدة.

البيت ذاكرة الطفولة التي سرقت

سليمان.jpg

البيت بالنسبة للأطفال ليس مكانًا وحسب بل هو ذكرياتهم ومساحتهم الخاصة بهم، البيت مرآة لطفولتهم، حين يُقصف هذا العالم تنهار  وتنفجر معه المشاعر المقدسة من الانتماء. الطفلة "ليان" عمرها 13 عامًا تقول: "أنا ما أخاف من القصف بس بخاف من النوم ومن الليل، بخاف أسكر عيوني وأشوف البيت ينهار عليا وأضل تحت الركام". تلك الطفلة التي يسكن الخوف في قلبها ويتعمق أكثر فأكثر، لا تعلم ماذا سيحصل بعد نومه.

في إحدى زوايا الخيم وتحت أسقف من القماش يكبر الأطفال ولم يعرفوا شكل المنزل الحقيقي ولم يلمسوا أبوابًا ولا جدارًا مطليًا، ولم يناموا في غرف خاصة بهم، فقد سرقت الحرب منهم المفاهيم الأساسية، فصار معنى البيت في قاموس بعض الأطفال أنه خيمة. البعض من الأطفال لم يتعرفوا على بيوتهم ولم يعرفوا يومًا معنى البيت.


اقرأ أيضًا: بين يوميات الحرب والهدنة: هكذا تشابهت الأيام في غزة


 "سليمان" عمره خمس سنوات، وُلد في بيت، لكنه لم يتذكر ما هو البيت، فقد قضى حياته في النزوح والتشريد ويقول بثقة: "البيت هو الخيمة إلي بنعيش فيها، بس مرات بتطير لما بيجي هواء كثير وتبدأ السماء بالمطر". هذا التشوّه في المفاهيم يُظهر كيف للحرب أن تسرق حاضر الأطفال وتعيد تشكيل ذاكرتهم ومستقبلهم و تفقدهم الأمن والأمان.

هؤلاء الأطفال لا يعرفون معنى أن يكون للمرء بيتًا وأبوابًا تغلق أو سرير يشعره بالأمان، يكبرون في عالم  لا يشبه معنى طفولة، وفي خوف مستمر في قلوبهم لا يعلمون ما إذا كانوا سيبقون في خيمة للأبد أو أن الليل سيمر بسلام.

طفولة تحت الركام جراح لا ترى

ميرال.jpg

الدموع تذرف على خدّ طفل فقد بيتهم وأمنهم وأمانهم، ليست مجرد حزن وحسب، بل هي انعكاس لصدمة نفسيه حزينة عميقة في قلب هذا الطفل، آلاف من الأطفال يعانون من اضطرابات نفسية حادة وعميقة، كوابيس متكررة في أحلام الأطفال، وصمت يدور طوال اليوم نوبات غضب متكررة وفقدان التعبير عن ما يشعرون به تلك الأعراض ليست مؤقت وحسب، بل هي ترافقهم لسنوات عديدة، وتؤثر بشكل سلبي على أفعالهم وسلوكهم.

الطفل " يزيد" عمره 10 أعوام، فقد بيته و والده في قصف عنيف، منذ ذلك اليوم لم ينطق بحرف واحد، تقول والدته: "كان شقيًا ويحب يتكلم كثير ويلعب، هالوقت بضل صامت ساكت بس بضل يتفرج على صورة والده ويتكلم معه بالسر". حاولت أمه عرضه على طبيب نفسي مختص لكن في المخيمات لا توجد تلك الإمكانيات ولا حتى مكان هادئ للجلوس والحديث.

في المقابل الطفلة "رهف" عمرها 9 سنوات أصبحت عدوانية بشكل مفاجئ، تضرب من تراه أمامها وتخرّب ألعابها وتصرخ في الليل، تقول عمتها: " كل يوم تصرخ وتبكي وهيا نائمة وتتكلم في نومها لا تقصفوا البيت علينا، الحرب أثّرت على نفسيتها". 

الحرب خطفت الأحلام

سارة.jpg

فقد سكنت الحرب داخلها وأصبحت جزءًا من كوابيسها وتعمق الخوف في قلبها. المدارس التي كانت ملاذًا نفسيًا للأطفال، فقد تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين، والبعض منها دُمرّت بقصف إسرائيلي. لم تعد هناك مساحة للعب ولا وقت لتعليم ولا بيئة مناسبة للدراسة، الحرب خطفت الأحلام من الأطفال وتركت خلفها جيلًا جاهلًا غير مثقف.

رغم كل شيء لا تزال الأحلام تنبت في قلوب الكثير من الأطفال لكنها لم تعد كالسابق، ولم تعد عن ألعاب أو نزهات، بل أصبحت عن بيت وأبواب وسرير يشعرون فيه بالدفء أو حتى جدار يرسم ويلون عليه كالسابق الطفلة "ميرال" عمرها 7 أعوام، تقول: " كنت بحلم ولا زلت أحلم إنه يكون عندي منزل وشباك وحديقة كبيرة ومطبخ، وماما تطبخ الي العدس والرز والطبخات الي بحبها". 

هناك العديد من الأطفال الذين فقدوا القدرة على الحلم، سألنا الطفلة "سارة" عن حلمها قالت: "ما بعرف شو يعني حلم ما بدي أنا شي"، هذا  الصمت وتلك اللامبالاة هي أخطر شيء تركته الحرب على نفوس الأطفال. الحرب لا تنهي حياة الأطفال فقط، بل تعيد تشكيل الطفولة من جديد. الأطفال الذين فقدوا بيوتهم، فقدوا ذكرياتهم، فقدوا القدرة على الحلم، البعض منهم لا يعرفون ما هو البيت، هذه ليست مجرد كلمات، بل هي صرخة من قلوب الأطفال الصغيرة التي تنزف بصمت وتنظر من بعيد إلى بيت أو نافذة تعيد لها الحياة من جديد.