بنفسج

عين على غزة... بعدسة عبد الحكيم

الإثنين 29 ديسمبر

قصص من غزة
قصص من غزة

لطالما كانت الصورة عينًا تحكي ما تعجز الكلمات عن قوله، يلتقط المصورون لحظات يرون فيها الحكاية كاملة؛ فنضحك معهم مرة، ونبكي مرات، ونغوص في شعور أصحابها، كأننا نعيش المشهد لا نراه فقط. فالصورة ليست إطارًا جامدًا، بل نافذة نعبر منها إلى وجع الآخرين وأحلامهم المكسورة.

في حرب غزة، كانت عين الكاميرا، ومَن يحملها، شاهدًا لا يغضّ البصر عن الحقيقة. بعدسة المصور عبد الحكيم أبو رياش، تحولت اللحظة إلى وثيقة، والدمعة إلى شهادة، والركام إلى سردية بصرية توثّق حرب إبادة جماعية، كي لا تُنسى، وتبقى الذاكرة حاضرة رغم محاولات الطمس.

هنا نستعرض بضع صور التقطها المصور عبد الحكيم، كل صورة لها حكاية، وتفتح بابًا لعيش ما يعيشه أهل غزة تحت خط النار، وما زالوا يعانون تبعاته. كثيرة هي الأوجاع في غزة، لا تقف عند حد؛ كل يقاتل ويقاوم ألمه الخاص: أطفال بُترت أقدامهم، ونساء فقدن أولادهن وأزواجهن، وفقدٌ للبيت، وعيشٌ في خيام لا تصلح للحياة.

محمد صالح: حياة بقدم مبتورة

IMG-20251225-WA0018.jpg


في ليلة قاسية، استُهدف منزل محمد صالح فأصيب إصابة بالغة أفقدته قدمه، لتصبح العكاز رفيقه الدائم. رغم ذلك، يمضي يومياته، لكن الوهن طال قلبه الفاقد لجزء منه؛ يملأ أوعية الماء لعائلته، يساعدهم في شراء حاجياتهم، يمشي بين الخيام، يتأمل وجوه المارة، وكأنه يود أن يستمد قوة تنسيه ما حصل.

حين صار المطر مصيبة

IMG-20251225-WA0020.jpg

سابقًا في غزة، كان المطر مدعاة للفرح؛ يركض الصغار ابتهاجًا بعطلة يوم ماطر، تُحتسى أكواب السحلب في الليالي الباردة، وتدفأ الأيدي تحت الأغطية الشتوية الثقيلة. أما اليوم، فقد غدا المطر مصيبة وسببًا للحزن. بات الناس بلا بيوت تحميهم من السماء، يغرقون تحته بدل أن يأنسوا بصوته. صاروا يبغضون المطر الذي كانوا يصغون إليه من تحت اللحاف، فإذا به اليوم يلاحقهم ويثقل أجسادهم بالماء. لم يكن البرد في الأجساد، بل في القلوب.

نيبال الهسي: بتر في اليدين والروح

IMG-20251225-WA0016.jpg

نيبال الهسي، أم فلسطينية، فقدت يديها في الحرب إثر استهداف غادر بقذيفة إسرائيلية. صارت الحياة أثقل بلا يدين، لأن كل تفصيلة يومية باتت معركة جديدة. إلى جانب البتر، أُصيبت إصابة بالغة في قدمها، وتعرضت لنزيف في الكبد، وحروق من الدرجة الثانية والثالثة؛ جسد أنهكته الحرب ولم يُمهله الألم.

لنيبال طفلة صغيرة لم تتجاوز العامين، تنظر إلى الأطفال من حولها تحملهم أمهاتهم، ثم تعود بنظراتها إلى أمها، تخاف من شكل يدي أمها المبتورتين، فتركض بعيدًا. حينها، لا يكون الفقد في الجسد وحده، بل في تلك المسافة الصغيرة التي صنعتها الحرب بين أم وطفلتها؛ مسافة لا تُقاس بالخطوات، بل بالوجع.

محاولة للتعافي

IMG-20251225-WA0014.jpg

يحاول مدرس الموسيقى أحمد أبو عمشة تعليم الأطفال الموسيقى على شاطئ بحر غزة؛ يعلمهم الغناء والعزف، في محاولة للتفريغ النفسي. هنا، تحت السماء المفتوحة، وبين هدير الموج وعلى امتداد الخيام، تتحول الألحان إلى مساحة آمنة، يضع فيها الأطفال خوفهم جانبًا، ولو للحظات.

يعزفون بأيدٍ صغيرة أنهكها النزوح، وتخرج أصواتهم مترددة في البداية، ثم أكثر جرأة، كأن الموسيقى تمنحهم إذنًا بالحلم من جديد. هناك، لا يكون البحر شاهدًا على القصف فقط، بل مستمعًا لصوت الحياة.

على ركام الحلم

IMG-20251225-WA0015.jpg

يقف مصور القصص وموثق حرب الإبادة الجماعية ومعاناة أهل غزة، عبد الحكيم أبو رياش، على ركام بيته، لا بصفته صاحب منزل مدمر فحسب، بل شاهدًا عاش الفقد كأهله، وبقي متمسّكًا بدوره المهني والإنساني. حمل الكاميرا في أكثر اللحظات قسوة، وجعل منها أداة للذاكرة، يوثق الألم كما هو، ليحفظ للضحايا أسماءهم وملامحهم وقصصهم.

لم يكن عبد الحكيم يومًا بعيدًا عن المشهد؛ كان جزءًا منه. صوّر البيوت قبل أن تُمحى، والوجوه قبل أن تغيب، والدموع وهي في طريقها للهطول. وحين خسر بيته، لم يتخلّ عن عدسته، بل واصل الوقوف في المكان ذاته، مؤمنًا بأن الصورة ليست مهنة فقط، بل مسؤولية أخلاقية يجب أن تخرج للعلن.