كانت بين الوعي واليقظة، تعصف بها آلام لم تعهدها من قبل، نظرت إلى نفسها، فإذا بجزء منها مفقود، لم تستوعب ما جرى إلا حين سمعت الطبيب يعتذر لعدم قدرته على إنقاذ جنينها، ولا قدمها التي بُترت، كل ما تذكره هو لحظة لمعان ضوء خاطف، ثم انطفاء كل شيء لتعلم أنه كان استهدافًا لهم.
بعد 48 ساعة، استيقظت من غيبوبتها، لتتجمد الحياة عند تلك اللحظة، سألت بصوت متهدج: "وماذا عن زوجي وابنتي؟"فجاءها الجواب الموجز: "بخير". مرت أمام عينيها خيالات لزوجها وهو أشلاء، لكنها تمتمت: "أظنني كنت أتوهم".
تُحدثنا نرمين شعث زوجة الشهيد أحمد شعث وأم الشهيدة رنيم شعث، عن استهدافهم وهم نيام، عن لحظة تلقيها خبر استشهاد زوجها وابنتها، عن إصابتها بالبتر في قدمها التي كانت صاعقة بالنسبة لها، عن عذابها الجسدي وهي تقاتل ألمها، وعذابها النفسي جراء الفراق.
ليلة موجعة

في 14 كانون الثاني/ يناير 2025، وفي تمام الساعة العاشرة مساءً، لمع ضوء أمام ناظريها ودوى الانفجار، لترى زوجها أمامها وقد قسم الصاروخ جسده إلى قطع متناثرة، وهذا كان المشهد الأخير قبل الإغماء، بعد 48 ساعة أفاقت من غيبوبتها لتجد قدمها مفقودة، وآلام مبرحة تضرب جسدها.
تقول بنبرة موجعة: "استيقظت من غيبوبتي على صوت الطبيب وهو يعتذر عن عدم قدرته على إنقاذ جنيني، لألمح قدمي وهي مبتورة، ارتجفت وقتها وقلت: الحياة انتهت، فسألت عن زوجي وطفلتي ليؤكدوا أنهم بخير ولكني كنت أشعر أنهم ليسوا بخير".
قبل الاستهداف بدقائق كانت تشعر نرمين بآلام المخاض، لتخبر زوجها وعائلته بأن الصغير وأخيرًا قادم، أعدت حقيبة الولادة بعناية، واستعدت أن تذهب للمشفى في أي وقت، لكن الخطة لم تسير كما كان مخططًا لها، اخترق البيت وأجساد العائلة جميعها صاروخ غادر ليقتل زوجها وطفلتها وحماتها وابنتها توأم زوجها والحفيد.
اقرأ أيضًا: إخلاص العروق: عن صوت رضيعي الذي أنجاني من تحت الركام
أخفوا عنها خبر استشهاد زوجها، بينما كانت طفتلها في العناية المركزة بحالة خطرة جدًا، هاتفتها والدتها من الخارج لتطمئن عليها، فور أن أنهت حديثها، بحثت على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" عن أي خبر يتعلق بالعائلة، فوجئت بصورة حماتها يُكتب عليها الشهيدة، ثم تلاها زوجها وشقيقته، لتصاب بصدمة شديدة، ولم يكن ما شاهدته ليلة القصف تهيؤات، لقد كان زوجها أشلاء حقًا.
بعد أسبوعين من العناء خرجت نيرمين من المشفى، وتواصلت تساؤلاتها على طفلتها الذي يؤكد الجميع أنها بالعناية المركزة وحالتها تتحسن، تردف: "وصلني اتصال هاتفي "أنتِ والدة الطفلة رنيم شعث"، هبط قلبي، ليكمل المتصل حديثه بإنها فارقت الحياة، صرخت حتى فقدت النطق، بقيت حتى وصلت لوداعها في المشفى لا يخرج صوتي، إلى أن رأيتها فدب صوتي المشفى".
توضح: "رأيتها، لم تكن ابنتي أبدًا، كانت حالتها صعبة جدًا، مصابة بالشلل، فاقدة للرؤية والسمع، اختلف شكلها كثيرًا فلم أعرفها، صرت أنادي بلا وعي على ابنتي أن تأتي، قلت لهم هذه ليست رنيم، وعشت بحالة الإنكار لفترة".
رنيم: شهيدة العائلة

كان رحيل رنيم التي تبلغ من العمر عامين، بمثابة ضربة في عمق القلب لنيرمين، كانت أول حفيدة للعائلة، محبوبة الجميع، تقول نيرمين: "عائلة زوجي لا ينجبون بسهولة، لكني كنت الأولى التي حملت دون علاج، فكانت فرحتنا كبيرة، وأنجبت الجميلة الذكية، كان عمرها عند بدء الحرب عشرة أشهر، كبرت بالحرب وتعملت أولًا نطق كلمة صاروخ وقصف وطائرة".
قبل رحيلها بأسبوعين احتفلت العائلة بذكرى ميلاد رنيم الثانية، فكان حفلًا جميلًا بسيطًا تحت وقع الغارات، تضيف: "كان سيهديها والدها سلسالًا من الذهب باسمها، لكنه كان ينتظر تجميع المبلغ وتحسن الظروف، بينما جاءتها هدية من جدتها والعمات حلق من الذهب، رحلت قبل أن ترتديه".
اقرأ أيضًا: نور الهدى النبيه: أي ذاكرة أحملها وقد شهدتُ مقتل طفلاي؟
أما زوجها كان صديقًا وزوجًا مثاليًا، قبل رحيله بأيام، كان يجلس مع أصدقائه، فأخبرهم أنه اشتاق لوالده الذي رحل قبل الحرب، ولحماه أيضًا، تردف: "قال لصديقه على ما يبدو أنني سأستشهد قبل وقف إطلاق النار المرتقب، ثم مازحهم وقال لكن سأتي لكم من القبر احتفل معكم وأعود، ثم ضحك وبدأ بسرد ذكريات طفولته".
بعد أن استجمعت نيرمين قواها بعد استشهاد زوجها وطفلتها، ذهبت إلى البيت المدمر لتبحث عن ذكرى أخيرة تحتفظ بها من رائحتهم، فوجدت دبلة زوجها وألبوم صور حفل زفافهم تحت الركام، وفي الشارع تناثرت ألعاب رنيم وبكلها لتحتضن كل ما وجدته وتبكي.

