في غزة… حيث يمرّ الوجعُ على القلوب كما تمرّ الريح على سنابلٍ مثقلة، أصاب الحزن نساءها في موضعٍ لا يلتئم. اختار شريك الروح أن يكون الامتحان الأشد مضاءً في العتمة، فانتقلت نساءٌ عرفن دفءَ البيوت إلى نساءٍ ينهضن قبل الفجر، يحملن قالوناتِ الماء وأنابيبَ الغاز، ويغرسن المنجلَ في التراب ليثبّتْن خيمةً تقاوم الريح، أو يهربن من موتٍ عاجلٍ إلى موتٍ مؤجَّل.
في “بنفسج” فتحنا دفاتر الفقد على مهل، نقلب صفحاتها كمن يلمس جرحًا يخشى أن ينزف، لنقرأ تفاصيل الوجع المختبئة في عيون زوجات الشهداء؛ أولئك اللواتي كُتب عليهن أن يتحوّلن من شريكاتِ عمر… إلى حارساتٍ لذكرى لا تُطفئها السنين.
فاطمة عبد الله... حين يعود النازحون إلى القبور

عامٌ وشهران قضتهما فاطمة عبد الله نازحةً في جنوب قطاع غزة، تنتظر اللحظة التي تعود فيها إلى زوجها محمد الشعراوي الذي اختار البقاء في شمال القطاع. لكن شهرًا واحدًا فقط كان كفيلاً بأن يبدّد هذا الانتظار؛ ففي لحظة لا تُنسى وجدت فاطمة نفسها أمام أقسى خبر يمكن أن يضرب قلب امرأة: خبر استشهاد زوجها. تقول: “شعرتُ تمامًا بكسرٍ في القلب… بتمزّقه وتفتّته. كان وقع الخبر أليمًا فوق كلّ تصوّر. وبدلاً من أن نعود إلى حضن الزوج والأب، عدنا إلى شاهدٍ وقبر.”
كان وقع الخبر على قلبها وعلى قلوب أبنائها عظيمًا بحجم الفقد. أسماء، الابنة الكبرى ومدلّلة أبيها كما تصفها فاطمة، تلقّت الخبر كالصاعقة. أما براء فلم يجد سوى كلمة “لا” ليعبّر بها عن رفضه القاطع لتصديقه، تلك الـ*“لا”* التي لا تزال ترنّ في أذن والدته حتى اليوم. فيما أحمد، أصغر الأبناء، يكاد لا يصدّق رحيل قدوته وسنده.
تحاول فاطمة أن تُبقي والدهم حاضرًا في تفاصيل حياتهم اليومية، فتقول: “أقول لهم: والدكم حيّ كما قال الله: أحياءٌ عند ربهم يُرزقون. نُحدّثه، نذكره، نجلس على طعامٍ كان يحبّه، أضع مصروفهم في جيب جاكيته، ونترك مقعده بيننا.”
اقرأ أيضًا: اعتقال بقدم مبتور على سرير المشفى: الشقيقان أحمد ويوسف شهوان
لم يكن رحيل الزوج وحده هو ما أثقل حياة فاطمة، فالحرب بحدّ ذاتها وضعت على كتفها عبئاً مضاعفاً. تقول: “كنت قبل الحرب زوجة مدلّلة، يعاملني كالأميرة… وفجأة أصبحتُ المسؤولة عن كل شيء: المأكل، الماء، الأمان، ومعاناة الخوف والقصف.” اضطرت فاطمة، وهي تعمل صحافية، إلى العودة لعملها لتأمين احتياجات أبنائها. واجهت تحدّيات الكهرباء والإنترنت والمكان المناسب، فقط لتضمن لأطفالها “حياة بقاء” كما وصفتها؛ تلك الحياة التي وضعتها أمام اختبارات وقرارات صعبة، كقرار النزوح الأخير من مدينة غزة. تروي:
“كنت أجلس أوقاتًا طويلة فقط أناجي الله سبحانه أن يلهمني ويرشدني للقرار الصائب. كنت أحتاج لقرار من زوجي… فقد كان سريعًا في اتخاذ القرار، وشعرت حينها بضياع كبير.” لحظات الضياع والضعف كانت قاسية وثقيلة على قلب فاطمة، لكنها وجدت قوّتها في القرآن وقصص الأنبياء، وتحديدًا قصة مريم عليها السلام: “كانت تتوجّع، لكنها لم تهتزّ ثقتها بالله… وهذا ما حاولت أن أعيش به.”
أما مخاوفها فتتلخّص في شيء واحد: “أطفالي… وكيف أحفظ إرث والدهم فيهم.” تحرص فاطمة على أن تربّي أبناءها على القرآن، وأن يحصلوا على تعليم يليق بهم، وأن يكونوا الأثر الطيّب الذي يكمل مسيرة والدهم ويحفظ غزة التي دفعوا لأجلها أغلى ما يملكون.
"وين بابا؟"... سؤال طفل يُثقل قلب أمٍ

في لحظاتِ الفقد الأولى، لا تُدرك الروح كيف تعبر… هل تصرخ؟ تبكي؟ أم تصمت؟ وكان الصمت هو الخيار الذي لجأت إليه نسرين الخطيب، زوجة الشهيد جعفر الروبي. فرغم أن دمعتها كانت الأقرب دائمًا، تقول إن اللحظة التي تلقّت فيها خبر استشهاده كانت أقسى من أن يحتملها البكاء.
“لم أستطع أن أبكي… وكأن كل الدموع التي كان يجب أن تخرج انفجرت داخلي” تقول نسرين، وهي تستعيد الساعات الأولى بعد الفقد، حين تيبّس جسدها واختنقت أنفاسها من هول الصدمة. أما أطفالها، فبين أكثر المشاهد رسوخًا في ذاكرتها، تلك اللحظة التي عادت فيها من المستشفى بعد توديع زوجها. كان عليها أن تواجه سؤال طفلها الذي لم يتجاوز وعيه حدود البيت: “وين بابا؟”.
جمعت شجاعتها وجلست أمام ابنها البكر خالد، المعلّق بوالده حدّ التماهي، وقالت له: “بابا راح عالجنة… راح يبني لنا قصرًت، ولما يخلص أجلنا بنروح لعنده.” لكن حكاية الجنة فتحت الباب لمئات الأسئلة الصغيرة التي لا تنتهي: “كيف راح؟ كيف نروح؟ ومتى نلحقه؟”. أسئلة كانت تطاردها يوميًا، وتعيد وجع الفقد في كل مرة.
اقرأ أيضًا: هيا أبو عرجة: عن وجع لا يُدفن في غزة
كانت معاناة نسرين مضاعفة عن زوجات الشهداء الأخريات؛ فهي لم تتحمل مسؤولية عائلتها بعد استشهاد زوجها فحسب، بل منذ اليوم الأول للحرب، كونها زوجة رجلٍ مقاوم حمل فلسطين في قلبه وسار نحو الجهاد في سبيل الله. لذلك اضطرت أن تسد مكانه في كل ما تستطيع.
تقول: “بعد أن كان جعفر واجهتي التي تدفع عني كل شيء، أصبحتُ أنا المسؤولة بدلاً عنه. أنقل أطفالي من مكان إلى آخر، أحاول تأمين حاجيات البيت، وأواجه مجتمع الرجال في أي شيء أحتاج إليه؛ شراء، تصليح… أو حتى مجرد قضاء طلب بسيط.”
ومن أشد اللحظات التي احتاجت فيها قرب زوجها، كانت اللحظة التي وضعت فيها مولودها مصعب في الشهر الأول من الحرب. جاء الطفل إلى الدنيا بعد أن أصيبت والدته بجروح قبل ولادته بأسبوعين، إثر قصف مجاور للمنزل.
تقول نسرين: “وضعتُ مصعب في أقسى أوقات الحرب، حين اشتدت الأحزمة النارية وعايشنا أهوالاً لا تُطاق. لكن الأصعب من ذلك كله كان غياب جعفر عن ولادة صغيرنا… كنتُ بأمسّ الحاجة إليه إلى جانبي.”
اقرأ أيضًا: ياسمين محمد: أوصاني خليلي بأن لا أبكي عليه شهيدًا
تحاول نسرين تجاوز المشكلات بالتجاهل، وتعيش يومها بيومه، ولا يشغلها إلا تربية أطفالها. لكنها لا تخشى عليهم من اليتم، وتقول بثقة: “لا أقلق على أطفالي من اليتم؛ فأنا مؤمنة أن الله سبحانه وتعالى سيكرمهم لأن أباهم كان رجلاً صالحًا شجاعًا… قدّم روحه لله وللوطن.”
وتحظى نسرين بعائلةِ زوجٍ محبة تحتضنها وتحتضن أطفالها كما لو أن جعفر ما زال بينهم، لتقطع عهدًا على نفسها: “أخذتُ عهدًا ألا يكون جعفر مجرد حلقة وصل تنتهي برحيله. أردتُ أن يبقى أثره حيًا من خلال محبتي وودي لهم.”
أما عن دعم المجتمع الخارجي لزوجات وأبناء الشهداء، فترى نسرين أن المؤسسات المعنية لا تؤدي عملها كما ينبغي، ولا تدرس احتياجات العائلات بشكل فعلي. تقول: “كنتُ أتمنى أن أجد عملاً منظمًا يحترم عوائل الشهداء، ويخصص جهوده لزوجاتهم، ويُرشدهنّ إلى كيفية مواجهة شكل الحياة بعد الفقد.”
ابتهال الكرد... عندما يأتي الفقد دُفعة واحدة

فقد الزوج يكسر القلب إلى نصفين، فماذا عن فقدان الأهل معًا؟ هذا ما عاشته ابتهال الكرد، زوجة الشهيد أحمد خير الدين، حين تلقت خبر استشهاد زوجها وعائلتها في شمال قطاع غزة، بينما كانت نازحة في الجنوب. كانت لحظة صادمة وصعبة للغاية، لم تدركها بالكامل، فقد عاشت حالة من الإنكار التام، وفجعة لا يمكن تصورها. تقول: “كان خبر قصف المنزل وفقد زوجي وعائلتي صاعقًا.”
لم تقتصر الفاجعة على زوجها فقط، بل فقدت ابتهال 36 شخصًا من عائلتها وأحبائها. وكل تفكيرها كان منصبًا على استخراجهم من تحت الركام وتكريمهم عند دفنهم، بينما كانت على بعد مئات الكيلومترات عن مكان الحدث.
أصعب ما مرت به لم يكن فقدان زوجها فحسب، بل أيضًا مسؤولية مواجهة أطفالها بعد أن أصبحوا بلا أب. تقول: “أصبحت أمًا وأحاول أن أعوّض مكانة الأب في حياتهم.” أطفالها الصغار لم يكونوا قادرين على فهم فقدان والدهم، فكان أصغرهم ينادي على خاله أو شقيقه الأكبر بـ “بابا” لأنه لا يعرف معنى الأب.
أما فراس، طفلها الأكبر، الذي كان أكثر وعيًا وارتباطًا بوالده، فكان يسأل دائمًا: “متى بابا بده يرجع؟”، بينما أكثر اللحظات ألمًا كانت اليوم الأول في المدرسة،عندما غاب الأب عن اصطحاب أطفاله، أو في المواقف اليومية البسيطة التي تذكرهم بوالدهم، مثل رؤية الموتوسيكل الذي كان يحب اقتياده برفقته.
مع فقد زوجها، وجدت ابتهال نفسها أرملة بلا مأوى، بلا دعم، ومسؤولة عن طفل رضيع بعمر شهرين. تقول: “كنت مضطرة لتأمين المياه والطعام والمأو، وشراء الحاجيات، وأخذ الأطفال للطبيب حتى منتصف الليل. حياتي كانت مليئة بالضغط والقهر، ولم يكن لدي وقت للبكاء أو الشكوى.” اضطرت للعمل لتأمين حاجيات أطفالها، تاركة الصغار عند معارفها لساعات طويلة. وكانت تواجه تحديات كبيرة في توفير الحليب والحفاضات والمأكل والمأوى، وسط الغلاء المعيشي وغياب الدعم الكافي.
اقرأ أيضًا: إسراء فروانة: حين يعيد الجرح صياغة الإنسان
أما أصعب قرار اتخذته، فكان النزوح الأخير، حيث كان عليها حمل أطفالها وممتلكاتها إلى المجهول، وسط تكاليف باهظة وضغط نفسي هائل. تقول: “كنت أبكي وأدعو الله أن يفرج كربي. كنت أفتقد زوجي في كل لحظة، لكن كان عليّ المضي قدمًا.” وعلى الرغم من كل ذلك، تحاول ابتهال الحفاظ على قوتها أمام أطفالها، قائلة: “أحاول السيطرة على مشاعري أمام أطفالي، وهم مصدر قوتي، يعينوني على مواجهة الأيام الصعبة.”
وتؤكد ابتهال على أهمية احترام كرامة زوجات وأبناء الشهداء، وأن تكون كل المساعدات والدعم المقدم لهم مبنيًا على هذا الأساس، خاصة في مجتمع يفرض تحديات كبيرة على من فقدوا أحبائهم.
في نهاية هذه الحكايات، تتكشف حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها: الفقد ليس مجرد غياب، بل امتحان لا يُحس إلا في قلوب من أحبوا. نساء غزة اللواتي فقدن أزواجهن لم توقفهن الصدمات، بل جعلتهن أقوى، حارسات للذكريات، وحاميات للأمل في وسط الركام. بين الألم واليتم، يزرعن الحياة حيث توقفت، ويعلّمن أطفالهنّ أن الحب لا يموت، وأن الصمود هو اللغة الوحيدة التي تعرفها غزة في وجه الحرب والفقد.

