الأحد 01 فبراير
طالما تخيّلتُ لحظةَ اللقاء به، كأنّها موعدٌ مؤجَّل مع الغياب. اعتُقل قبل ولادتي، وقضى أربعةَ عشرَ شهرًا خلف القضبان، وحين تحرّر كنتُ في عامي الأوّل. أمّا آخرُ اعتقالٍ له فكان وأنا في الرابعة من عمري. وبحسابٍ باردٍ للأرقام، لم أنعم بوجود والدي سوى ثلاثة أعوام من أصل سبعةٍ وعشرين عامًا من حياتي. لا أملك له في ذاكرتي أرشيفًا من الصور، سوى مشهدٍ واحدٍ صغير، نجا من النسيان رغم هشاشة العمر.
أذكره جيّدًا وهو يمسك بيدي، ويجلب لي بوظةً بطعم العنب. كانت ذائبةً من شدّة الحر، فاقتسمناها في أطباقٍ بسيطة، وأكلناها معًا. ومنذ ذلك اليوم، ظلّت تلك اللحظة ذاكرتي الوحيدة عنه؛ ذكرى تذوب كلّما استحضرتها، كما ذابت تلك البوظة في ذلك النهار البعيد. عشتُ لسنواتٍ أنتظر أن يُدقّ باب بيتي، وما زلتُ أنتظر.
خلال رحلة الزيارات كنّا نواجه صعوباتٍ عديدة. كان بعض الضبّاط يقولون لنا: "ذنبكم الوحيد أنّكم أولاد محمد عرمان". كنتُ أصمت، لكنّني في داخلي أُردّد بكلّ فخرٍ بهذا الذنب الجميل: يا حظّي بأنني ابنةُ هذا الرجل العظيم، المحكوم بستّةٍ وثلاثين مؤبّدًا.
قبل حرب غزّة، كنتُ أزوره، وفي كل زيارةٍ كنتُ أصمت أكثر ممّا أتكلّم. كنتُ أتأمّل تفاصيله كلّها، أحفظ ملامحه جيّدًا، كأنّي أخشى أن تسرقها الذاكرة منّي. كان يستقبلني عند الزجاج السميك بقبلةٍ طائرة، ويودّعني بها كذلك. أكثر ما كان يلفتني في تلك الزيارات شخصيّته، قوّته، ورأسه المرفوع دائمًا. كان يوصيني على نفسي، وعلى علاقتي بربّي، وبالوالدة، وكأنّه كان يحاول أن يترك في كلّ زيارةٍ ما يكفي من الوصايا لغيابٍ طويل.
خلال رحلة الزيارات كنّا نواجه صعوباتٍ عديدة. كان بعض الضبّاط يقولون لنا: "ذنبكم الوحيد أنّكم أولاد محمد عرمان". كنتُ أصمت، لكنّني في داخلي أُردّد بكلّ فخرٍ بهذا الذنب الجميل: يا حظّي بأنني ابنةُ هذا الرجل العظيم، المحكوم بستّةٍ وثلاثين مؤبّدًا.
كنّا وقت اعتقاله ثلاثةَ أطفال؛ أكبرنا خمسُ سنوات، وأصغرنا سنةٌ وثلاثةُ أشهر. عاشوا كلّ مراحل حياتهم دون أب: أخي بلال الأكبر، وأنا الوسطى، وأختي سلسبيل الصغيرة، التي اعتُقل والدي وهي في عامها الأوّل وثلاثة أشهر، وها هي اليوم تُقارب إنهاء عامها الخامس والعشرين.
اقرأ أيضًا: ثم غاب ساري إلى الأبد.. عن يتيمين وأب شهيد
في وسط هذا الغياب المرير، كانت أمّي مثالًا للصبر. كنّا نجلس حولها فتحدّثنا عن أبي، ونستمع بإنصات. انتظرته ثلاثةً وعشرين عامًا ونصف، وما زالت تطبطب على قلوبنا. ما يؤلم قلبي أنّني تخرّجتُ من الثانوية العامّة والجامعة، وتزوّجتُ وأنجبت، والوالد مغيَّبٌ عنّي. في كلّ مناسبةٍ كان الشعور مختلفًا، وكان الشوق مسيطرًا عليّ. كثيرًا ما كنتُ أُردّد: "يا ريت أبوي معي".
اليوم، يعاني والدي من اضطراباتٍ صحيّةٍ كثيرة بسبب الاعتقال، وقد خضع لعمليّاتٍ جراحيّة قبل سنوات. يواجه التنكيل والتعذيب، وكان آخرها تعرّضه لاعتداءٍ وحشيّ داخل زنزانته، أدّى إلى كسرٍ في جزءٍ من القفص الصدري. هذا آخر ما وصلنا عنه.
وكلّما سألوني: كيف ستكون لحظة التحرّر؟ أرتجف. أتخيّلني أركض نحوه، أحتضنه، أُقبّل يديه مرارًا، وأحاول أن أستردّ السنوات التي سرقوها من أعمارنا. ورغم الانتظار الطويل، ما زلتُ أتمسّك بالأمل، لأنّي أؤمن أنّه لا باب يُغلق إلى الأبد، وأنّ الله معنا، ومن يكن الله معه، فمن ذا الذي يهزمه؟