بنفسج

بين ركام "نور شمس" وحلم القانون: بيان أعمر تكتب حكايتها

الأحد 18 يناير

النازحون من مخيم نور شمس
النازحون من مخيم نور شمس

في مخيم نور شمس، حيثُ تُختصر المسافات بين الموت والحياة بصرخة طفل أو هدير جرافة، تولدُ حكايات تشبه الأساطير في خيالها وصلابتها، هناك وسط رماد البيت الذي التهمته النيران، كانت "بيان أمين أعمر" تبدأ معركتها الخاصة؛ معركة لم تندلع فصولها الأكثر إصرارًا إلا بعد أن أُجبرت على النزوح كما كل أهل مخيم نور شمس منذ بدء العدوان الجاري من يناير 2025 ومنذ فبراير في مخيم نور شمس تحديدًا.

لم تستسلم بيان لمرارة اللجوء، بل أمسكت بكتاب "الثانوية العامة" ليكون جسرها الأول نحو حلم دراسة القانون، معلنةً أن الإرادة لا تحتاج إلى سقف، بل إلى يقين يسكن الروح. تبدأ حكاية بيان من تلك اللحظة القاسية التي تصفها بمرارة: "انتُزعنا من مكاننا دون خيار، في مشهد يفوق قدرة أي إنسان على الاحتمال".

لم يكن النزوح مجرد انتقال جغرافي من نقطة إلى أخرى، بل كان اقتلاعًا قسريًا سلب العائلة خصوصيتها وأمانها تحت تهديد السلاح والترهيب، ليخرجوا بملابسهم التي يرتدونها فقط، تاركين خلفهم ذكرياتٍ التهمتها النيران وسقفًا كان يلم شمل تسعة أفراد، حيث حرقت قوات الاحتلال المنزل بالكامل بما فيه.

تستذكر بيان تلك الرحلة الشاقة التي بدأت بمسجد في قرية "اكتابا"، حيث تلاصقت الأجساد المتعبة في ضيق المكان وقلة الإمكانيات، مرورًا بصالة نادٍ رياضي لم يكن فيها من الرياضة شيء سوى صراع البقاء ضد البرد القارس بلا غطاء أو فراش يحمي الصغار، وصولًا إلى مراكز الإيواء التي تصفها بأنها "تجربة تفوق الخيال في قسوتها، حيث تذوب الخصوصية في زحام الأوجاع والإرهاق النفسي الشديد".

أُم لسبعة أحلام.. وسنديانة في وجه الريح

IMG-20260118-WA0011.jpg

بيان ليست مجرد نازحة، هي "البوصلة" لعائلة مكونة من سبعة أطفال: عمر، بيسان، فرح، خطاب، قمر الشام، عادل الزين، والطفلة جنان التي لم تتجاوز السنتين، أي أن تلك الطفلة لم يكن عمرها سوى بضعة أشهر لحظة النزوح ولا تستذكر شيئًا عن بيت عائلتها الذي صار رمادًا، ويعيشون اليوم في بيت مُستأجر بسيط يفتقر لأدنى مقومات الحياة والأساسيات اليومية، بلا شبابيك تحمي من ريح الشتاء، وبلا كهرباء تضيء عتمة الليالي، تعيش بيان وتلعب دور "مصدر الأمان" في ذروة فقدانها الشخصي له.

تقول بيان بلسان الأم: "أصعب ما في النزوح لم يكن فقدان المكان فقط، بل محاولة حماية سبعة أطفال نفسيًا وسط هذا الانهيار اليومي. التحدي كان مضاعفًا، كيف احتوي خوفهم وأنا أبحث عن أماني؟ وكيف أمنع اليأس من التسلل إليهم؟". كان جوابها على هذه التساؤلات هو "الفعل" لا "الانتظار". فبينما كانت الجدران تحترق، كانت هي تبني في عقول أطفالها قناعة بأن البيوت قد تحترق، لكن العقول التي نغذيها بالعلم لا تنطفئ أبدًا.


اقرأ أيضًا: "جكَر خلّوا الضو مضوي كل الليل": شهادات الأسيرات من سجن الدامون


رغم قسوة النزوح والمشقة، اتخذت بيان قرارًا قد يبدو صعبًا للكثيرين وربما مستحيلا للبعض الآخر؛ وهو إكمال دراستها وتقديم امتحانات الثانوية العامة "التوجيهي" إذ لم تمنعها مسؤولية الأبناء السبعة، ولا انعدام المقومات في بيتها الصغير المكتظ بتسعة أفراد، من المضي قدمًا، لأنها تؤمن أن "العلم هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن اقتلاعه منا.. هو ملجئي الآمن الوحيد" كما تقول هي.

النزوح ومرارته

IMG-20260118-WA0010.jpg

الدراسة بالنسبة لبيان هي بوابة الأمل، وهي الخطوة الضرورية التي ستؤهلها للالتحاق بالجامعة لدراسة تخصص "القانون"؛ ذلك الحلم الذي ولد من رحم الظلم الذي عاينته في مخيمها، لتكون يومًا ما صوتًا قانونيًا يدافع عن الحقوق. ولم تكتفِ بذلك، بل حضرت دورات في التسويق والتصوير والمحادثة باللغة الإنجليزية، لتثبت أن المرأة الفلسطينية تحت النزوح هي كائن متجدد، يوسع آفاقه كلما ضاقت عليه الأرض والبيت.

وإلى جانب الكتب الدراسية، تسكب بيان روحها في عمل أدبي يحمل عنوانًا يختصر مسيرتها: "ما زلت هنا .. حكاية أم واجهت النزوح ولم تسقُط" وهي رواية توثق فيها مراحل التنقل والمعاناة، بدءًا من مخيم نور شمس وصولًا إلى مكان استقرارها الحالي. وبسبب قلة الإمكانيات، تكتب بيان روايتها بـ"الورقة والقلم" فقط، لعدم توفر أجهزة حديثة، لكن كلماتها تنقض بمداد من صبر وصمود وتحدي يفوق الوصف رغم كل الظروف.

حكاية أم لم تسقط

IMG-20260118-WA0009.jpg

 تتحدث عن روايتها قائلة: "الهدف أن تكون الرواية شهادة حية على الصمود، أن يوصل صوتي للعالم.. أنتظر وأتأمل طباعتها بشكل يليق بالوجع والألم المكتوب فيها". لعل قصة بيان أعمر التي بين أيدينا اليوم هي اختزال لقصة المرأة الفلسطينية التي تجيد صناعة الحياة من العدم، هي الأم التي تُطعم أطفالها الصبر قبل الخبز، والطالبة التي تخوض معركة "التوجيهي" اليوم لتُحاكم الظلم غدًا بين أروقة القانون، والكاتبة التي ترفض أن تسقط ريشة قلمها رغم سقوط جدران بيتها.

في بيتها الصغيرة الذي يفتقر للأساسيات بلا أبواب داخلية ولا نوافذ تقي من برد الشتاء القارس ولا إضاءة  تكفي ليُرى شيئًا من النور، ووسط جو شتوي ماطر بغزارة تشهده فلسطين تعرضت خلاله أغراض البيت القليلة للغرق.. لا تنتظر بيان المعجزات، بل تصنعها بإصرارها اليومي.

 وهي رسالة حية للعالم بأن مخيم "نور شمس" قد يُقتحم، والبيوت قد تُحرق، لكن إرادة الفلسطيني تصنع المعجزات من وحي المستحيل، وهو الذي اختارته بيان "أنها لن تسقط" لتقول أن من يمتلك "القلم" و "الورقة" و "الإرادة" يملك دائمًا بوصلة لطريق العودة.. ليس لمخيم نور شمس فحسب بل إلى البلاد الأصلية، فالشعب الذي يصنع ثقافته وتراثه في ظروف إعجازية يرسم خط عودته بريشته.