تقف النساء في غزة عند مفترق طرق بعد الحرب؛ صار السفر حلمًا يلوح في الأفق كطوق نجاة، لكن القلوب لا تطاوعهن على مغادرة المدينة التي تعلّمن فيها الحب والفقد معًا. تتنازعهن مشاعر متناقضة بين قرار الرحيل وخيار البقاء، بين أم تخشى على أبنائها، وفتاة تخاف أن تترك ذاكرتها خلفها.
يقفن حائرات في المنتصف، يحملن ذكرياتهن في قلوبهن أينما اتجهن. كلما شاع خبر عن قرب افتتاح معبر رفح، بدت الخطوة أقرب، وارتجفت الأرواح أكثر في مواجهة القرار. هذا التيه ليس فرديًا، بل وجعًا جماعيًا يرهق الجميع، ويثقل الأيام الصعبة أصلًا.
نحاور هنا فتيات يحترن ما بين نعم ولا، بين ترك الذكريات والبدء من الصفر في مكان جديد، يسميه البعض هروبًا، لكنه في قاموسهن نجاة بما تبقى منهن من روح. هنا تخبرنا فاطمة ولينا وسماح عن حبهن لغزة، بالتزامن مع رغبتهن في خوض معترك الحياة في طرق أخرى يشعرن فيها بشعور الأمان.
كان حلمًا قديمًا

تشعر فاطمة العسكري بمشاعر التيه والضياع، حتى التفكير بات مشوشًا. كانت قبل الحرب تحلم بالسفر، لكن الظروف لم تحققه لها، واليوم تراه، حسبما تقول، واجبًا واتجاهًا نحو مسؤوليتها الأخلاقية تجاه أطفالها في توفير مكان آمن لهم. تقول لبنفسج:
"قرار المغادرة صعب للغاية ومرعب، كيف لي أن أترك حياتي في غزة، والدي وشقيقي وأصدقائي؟ كيف أغادر المدينة التي كنت أنهض بها مع كل مبادرة أنفذها؟ كنت أشعر أنها أحد أطفالي، وما زلت، قراري بتركها قاسيًا عليّ أنا".
اقرأ أيضًا: نحن الذين لا يكسرون: قلوب مهجرة ويقين لا يهزم
ما بين سلسلة الدول التي تفكر فاطمة بالسفر نحوها بلد يمنحها وأسرتها جنسيته، حتى إن عادت لغزة، تخرج منها كمواطنة أجنبية. تضيف: "أعتذر وأنا أقول هذا، لكن هذه الحقيقة: إن كنت تملك وثيقة أجنبية ستمنحك الحق في الحياة. أود لأولادي إن خرجنا من غزة أن يعودوا لها، ولكن أن يتمكنوا من الخروج منها أيضًا وقت الحروب".
تعيش حالة من انتظار المجهول، فما بين إغلاق المعبر والعيش في خيمة تمر الأيام. تقابل فاطمة هذا الانتظار بالتسليم المطلق لله. في السابق، كانت تشعر بالسخط كلما سمعت أن أحد الأصدقاء أو المعارف تمكن من السفر من غزة ورتب حياته في دولة أخرى، لكنها لاحقًا آمنت أن أقدار الله كلها خير، وتعلمت الصبر على مهل، وأنه كان لزامًا أن تعيش الحرب لتتعلم الرضا والصبر.
سفر للدراسة

أما لينا حسين، فترى في السفر خارج غزة فرصة مثالية للبدء من جديد. في غزة تعاني لتوفير أبسط احتياجات الإنترنت والكهرباء، وبالسفر ستعود لعملها عن بعد بأريحية دون قلق أو توتر. قبل الحرب، كانت تسعى لنيل منحة لإكمال الدراسات العليا في أوروبا أو في دولة عربية، والآن كثفت من محاولاتها للخروج الآمن من غزة، دون الوقوع في فخ المحتالين الذين يزعمون أنهم يؤمّنون طرقًا للسفر.
تقول: "كان التردد في اتخاذ قرار السفر قبل الحرب أن عائلتي كلها هنا ولدي عمل، لكن بعد الحرب صار مستقبل غزة مجهولًا. أحاول أن أعيش بشكل طبيعي لكن عبث، لن يعود شيء كما كان، حتى شخصياتنا. أهرب بتطوير نفسي بالدورات التعليمية عن بعد، حتى يفتح المعبر وحينها أستطيع أخذ خطوة السفر بشكل جدي".
تختار لينا نفسها هذه المرة، ونسبة التردد لديها قليلة. ما يدور في رأسها هو: كيف ستغادر؟ كيف ستعيش وتخرج من حياتها القديمة؟ وتسأل نفسها دومًا: هل سأستطيع فعلها حقًا وترك الذكريات في غزة؟ هل يمكن أن يعيش المرء بلا وطن ويكمل حياته لاجئًا في دروب المنافي؟
الرغبة ونقيضها

تعيش سماح شاهين حالة من الإرهاق الذهني. كلما تواردت الأنباء عن فتح معبر رفح، تقف صامتة أمام سيل الأخبار، وتفقد شجاعتها بمجرد التفكير في السفر، مع أنها في بداية الحرب كانت تحزم الأمتعة لأجل الخروج من غزة، لكن لم يُكتب لها نصيب بالمغادرة. تسأل نفسها: لماذا أتراجع فور سماع خبر فتح المعبر؟ لماذا أفقد شجاعتي وقتها في التخلي؟
تقول سماح بصوت متردد: "أنا مسؤولة عن أطفال أخي المنفصل عن زوجته. أفكر بحالتهم من بعدي كثيرًا، كيف أغادر وأتركهم؟ أفكر بأخذ فتاة واحدة منهن، لكن أتراجع: كيف آخذها، وكيف سأربيها في غربة لوحدي؟".
تضيف: "ما يجعلني أود السفر أنني أريد أن أعيش حياة طبيعية، سئمت حياة الخيام والمواصلات المهينة لكرامتنا، لكن وسط كل هذا التفكير الحيرة تقتلني، فما بين البوح بالرحيل، وحبي لغزة الذي لن أتخلى عنه".
اقرأ أيضًا: نور الهدى النبيه: أي ذاكرة أحملها وقد شهدتُ مقتل طفلاي؟
من ناحية نفسية، تقول المختصة النفسية زينب الحناوي إن ما تعيشه النساء في غزة اليوم ليس حيرة فردية ولا ترددًا شخصيًا، بل أثر نفسي–سياسي منظّم ومتعمد ناتج عن العيش الطويل داخل بنية استعمارية عنيفة تُعلّق الزمن، وتفرض الانتظار، وتستنزف الحياة ببطء. فحين تُحرم المرأة من القدرة على التخطيط أو اتخاذ قرار نهائي بشأن حياتها أو سفرها، لا يكون ذلك غيابًا للإرادة، بل غيابًا للشروط المادية والسياسية لاتخاذ القرار.
وتوضح أن هذا التعليق القسري للزمن يُنتج شعورًا جماعيًا بأن الحياة لم تبدأ بعد، وأن القرارات الكبرى، والفرح، والاستقرار مؤجلة قسرًا. ليست هذه حالة فردية أو خللًا نفسيًا، بل أثر صدمة جماعية ممتدة في واقع يُدمَّر فيه المستقبل بشكل منهجي.
وأكدت أن ما تعيشه نساء غزة ليس أزمة نفسية فردية، بل جرحًا جماعيًا سياسيًا، تتقاطع فيه الصدمة، والأخلاق، والنجاة، دون إجابات سهلة أو خيارات نهائية.
وتعقب الحناوي أن التردد بين البقاء والسفر ليس صراعًا نفسيًا داخليًا فقط، بل صراع أخلاقي وسياسي بين الارتباط بالأرض كهوية وذاكرة، وبين مطلب الجسد بالنجاة. هذا الصراع لا ينبغي تأطيره كضعف أو عدم حسم، بل كاستجابة إنسانية مشروعة في سياق عنيف. هذه المشاعر طبيعية في واقع غير طبيعي، وتصبح مؤذية فقط حين يُطلب من المرأة أن تصمد دون دعم، أو تُدان أخلاقيًا على خياراتها.
وأكدت أن ما تعيشه نساء غزة ليس أزمة نفسية فردية، بل جرحًا جماعيًا سياسيًا، تتقاطع فيه الصدمة، والأخلاق، والنجاة، دون إجابات سهلة أو خيارات نهائية.

