كثيرةٌ هي النِّعم التي تحيط بنا، لكننا لا ندرك قيمتها الحقيقية إلا حين نفقدها. ومع حرب الإبادة على قطاع غزة، تلك الحرب التي لم تُبقِ ولم تذر، بات لزامًا علينا أن نعيد النظر في أبسط تفاصيل حياتنا، وأن نُقدّر ما بين أيدينا من نعم، وفي مقدمتها نعمة البيت.
المنزل ليس جدرانًا وسقفًا فحسب، بل هو طمأنينة تعود إلينا بعد كل مشوار، وأمانٌ ينساب في أرواحنا ما إن تطأ أقدامنا عتبته. تلك النعمة افتقدها غالبية الغزيين بعدما نسف الاحتلال بيوتهم، فصاروا بين نزوحٍ وخيمةٍ وانتظار.
لطالما تساءلتُ: كيف تتأقلم النساء، وهنّ عماد البيت وروحه، مع حياة الخيمة؟ مع إمكانات بالكاد تكفي للبقاء؟ حياة تفتقر لأدنى مقومات الخصوصية، في ظل نقص حاد في كل شيء.
رمضان ثالث في الخيمة
رهام شهوان، تقضي رمضان للمرة الثالثة في خيمة. تحاول، ما استطاعت، التأقلم مع واقع فُرض عليها بعد أن فقدت منزلها الذي كان يمثل لها الأمان. في كل يوم تقنع نفسها بأن الخيمة مأوى مؤقت.
تعيش رهام في مساحة محدودة، بلا جدران حقيقية ولا سقف يحميها من حر الصيف أو برد الشتاء. لا خصوصية فيها، ومع ذلك اجتهدت في تقسيمها شكليًا إلى زوايا.
في شهر رمضان، تتعاظم معاني الألفة داخل البيوت، وتزداد العناية بتفاصيله الصغيرة؛ زينةٌ، ومائدةٌ، وروائحُ طعامٍ تعبق في الأرجاء. لكن كيف يبدو رمضان في خيامٍ متلاصقة، تحت وطأة ظروف غاية في الصعوبة؟
رهام شهوان، نازحة من خان يونس إلى مواصيها، تقضي رمضان للمرة الثالثة في خيمة. تحاول، ما استطاعت، التأقلم مع واقع فُرض عليها بعد أن فقدت منزلها الذي كان يمثل لها الأمان والخصوصية والذكريات. في كل يوم تقنع نفسها بأن الخيمة مأوى مؤقت، وأن العودة قريبة، ولو طال الانتظار.
تعيش رهام في مساحة محدودة، بلا جدران حقيقية ولا سقف يحميها من حر الصيف أو برد الشتاء. لا خصوصية فيها، ومع ذلك اجتهدت في تقسيمها شكليًا إلى زوايا؛ هنا للنوم، وهناك للطهو، وأخرى للصلاة أو لتبديل الملابس. كل شيء يجري في مساحة واحدة، كأنها معركة صامتة بين الإحساس بالفقد والحاجة الملحّة إلى التكيّف.
اقرأ أيضًا: رمضان وأسئلة العبادة: فقه الصيام في زمن الإبادة
تقول رهام: “مع بداية رمضان، ورغم الاكتظاظ وضيق المكان، حاولنا نخلق جوًا رمضانيًا. علقنا زينة بسيطة من ورق، وفرح الأولاد بها. ما قدرنا نشتري أغراض جديدة بسبب غلاء الأسعار وعدم توفر المال، فحاولنا نعيد استخدام الموجود عندنا.”
أما الطعام، فتلك حكاية أخرى. الأسعار باهظة، والدخل شبه معدوم. العدس أو الفول باتا بديلًا عن اللحوم، والحلويات الرمضانية غالبًا ما تُستغنى عنها. تحاول النساء إدارة ميزانيات ضيقة بالكاد تكفي الأساسيات، في معادلة يومية شاقة بين الحاجة والإمكان.
حتى الطهو ذاته مشقة؛ البحث عن الحطب، اختيار زاوية مناسبة بعيدًا عن الرياح، تحمّل الدخان. ومع غياب البيوت الواسعة، غابت الولائم والزيارات وصِلات الرحم كما كانت. ومع كل ذلك، لا تزال الألسن تلهج بالحمد، والقلوب تتشبث بالإيمان والصبر.
هندسة الحياة في الخيمة
العبادة أيضًا باتت مختلفة. فالخشوع الذي يحتاج إلى خلوة وهدوء، يصعب تحققه وسط خيام متزاحمة وضجيج لا ينقطع، وصوت قصف يفرض حضوره. ومع ذلك تؤدي النساء صلواتهن وتراويحهن، باحثاتٍ عن لحظات سكينة مسروقة. ذلك ما يمكن تسميته “هندسة الحياة في أضيق الظروف”؛ قدرة مذهلة على إعادة ترتيب الممكن، ولو شكليًا، دون إنكار حجم الألم والقهر الذي يرافق كل تفصيل.
نموذج آخر، آية شاهين، نازحة من مدينة غزة إلى دير البلح، تقضي رمضان للمرة الأولى في خيمة نصبت على أرض يملكها شقيقها. تقول: “ما جهزنا لرمضان زي كل سنة. كنا نجيب زينة وأضواء ونشتري أغراض جديدة للمطبخ. هذا رمضان ما في طقوس كالمعتاد.”
تضيف أن أبناءها يحاولون تعويض النقص، ويعتنون بحالتها الصحية إذ تعاني من مشكلات في الرئة ونقص في الأكسجين، ما يجعل رائحة الحطب والدخان عبئًا إضافيًا عليها. حاولت العائلة تخزين جرة غاز للشهر الفضيل رغم ارتفاع سعرها، في محاولة لتخفيف المعاناة.
يبقى الحنين إلى جدار يُتكأ عليه، وسقفٍ يحمي، وبابٍ يُغلق على دفء العائلة، أمنية بسيطة في ظاهرها، عظيمة في معناها. وبين الخيمة والذكرى، تصرّ نساء غزة على التشبث بالأمل، وانتظار عودةٍ تعيد للبيت اسمه ومعناه.
لم تصل المساعدات الإنسانية إلى عائلتها منذ أشهر، شأنها شأن كثير من العائلات، في ظل شح الموارد واتساع رقعة الحاجة. ومع ذلك، يبقى الأمل بالله حاضرًا. تدعو آية في صلاتها وقيامها بتبدّل الحال، وتحاول أن تخشع وسط الضجيج وأصوات الحرب، وقد حُرمت من صلاة التراويح في المسجد كما كانت تفعل.
رمضان بلا بيت، بلا مطبخ، بلا خصوصية للصلاة والتهجد… ليست عبارات عابرة، بل واقع يومي ثقيل تحمله النساء فوق أكتافهن. نساء نسفت الحرب أحلامهن وذكرياتهن تحت الركام، وتبعثرت دفاتر العمر، لكنهن ما زلن يحاولن إعادة ترتيب الحياة، ولو داخل خيمة.
يبقى الحنين إلى جدار يُتكأ عليه، وسقفٍ يحمي، وبابٍ يُغلق على دفء العائلة، أمنية بسيطة في ظاهرها، عظيمة في معناها. وبين الخيمة والذكرى، تصرّ نساء غزة على التشبث بالأمل، وانتظار عودةٍ تعيد للبيت اسمه ومعناه.

