بنفسج

لأن للشهيد حبيبة

الأربعاء 18 فبراير

زوجات الشهداء في غزة
زوجات الشهداء في غزة

تبدأ حياة أخرى لزوجات الشهداء من لحظة الفقد، حياة لا تشبه ما قبلها، ولا تشبه أحلامهن التي كانت، يقفن زوجات الشهداء يحملن ثقل الحياة وحدهن، بعد فقدهن الرفيق، يقاتلن بنفس طويل ولا يملكن ترف الانهيار، بعد فقدان الزوج، يواجهن أيامًا قاسية ومسؤوليات مضاعفة، يقاتلن بصبر طويل ولا يملكن ترف الانهيار.

صرن الأم والأب معًا، يضمدن قلوبًا صغيرة فقدت سندها، بينما قلوبهن منهكة، يتعلمن تفاصيل لم يخترنها: معاملات، التزامات، أعباء معيشية، وأسئلة أطفال لا تنتهي. يحملن صورة الغائب في الذاكرة، ويواصلن الطريق رغم الفراغ الذي لا يُملأ.

هنا نستعرض نماذج من زوجات الشهداء، نساء فقدن الرفيق، لكنهن ما زلن يحملن حضوره في تفاصيل أيامهن، لكل شهيد حبيبة كانت تقتسم معه الحياة، تنتظر عودته، وتخطط معه للغد، واليوم، تعيش ألم الفقد بصمت، وتكمل الطريق بقلب مثقل.

زوجة الشهيد إسماعيل الغول

زوجة الشهيد آسماعيل الغول

عصر الأربعاء، 31 يوليو/تموز 2024، استُشهد مراسل قناة الجزيرة إسماعيل الغول برفقة المصور رامي الريفي، إثر استهداف مركبتهما بشكل مباشر عقب عودتهما من تغطية ميدانية. رحل الغول تاركًا خلفه زوجته ملك زياد، وابنته زينة ذات الأعوام الستة، لتبدأ عائلته فصلًا من الحياة مثقلًا بالفقد، بعدما غاب السند وبقيت الذكرى.

تقول زوجته ملك: "كان يظل يصبرني بلقاء قريب، ظل هو في شمال غزة وأنا في جنوبه، فكانت تكبر زينة بعيدًا عنه، قلبي زي النار رحت مقهور وبحسرتك علينا.. كان نفسك تشوفنا". في ذكرى زواجهما كتبت ملك ما كتبه لها إسماعيل حسابها الشخصي: "أريد أن أكون معك إلى وقت لا يُعد، إلى أن ينتهي العالم أو أنتهي أنا.. المهم ألا يترك أحد الآخر، ألا أظل عالقًا في الذكريات، ألّا أبحث عنك في وجوه الآخرين، وألا أتذوق مرارة غيابك مهما حدث".

وهي تكتب في ذكرى زواجها، بعد فقده: "كنت معي وقتًا معدودًا، أنت الذي تركتني وانتهيت.. وبقيت أنا عالقة في الذكريات، أبحث عنك في وجوه الآخرين، وأتجرع مرارة غيابك في كل لحظة".

كان إسماعيل ينقل الصورة عبر شاشة الجزيرة، وفي الاقتحام الثاني لمشفى الشفاء، احتجزه الجيش الإسرائيلي لمدة 12 ساعة، واعتدوا عليه رفقة الزملاء، وواصل العمل حتى استهدفته طائرات الاحتلال.

زوجة الشهيد أسامة الزبدة

زوجة الشهيد أسامة العكلوك

في العام 2021، فقدت يسرى العكلوك زوجها أسامة الزبدة، والذي رحل مقبلًا غير مدبر، درس الهندسة بالجامعة الإسلامية، والده البروفيسور جمال الزبدة، كانا الأب وابنه يحملان الجنسية الأمريكية، لكنهما اختارا درب الجهاد، ليستشهدا في ثغور المقاومة في 12 مايو 2021.

قبل خمس ساعات من القصف الذي رحل به أسامة ووالده، رنّ هاتف يسرى، لتسمع صوت رفيق الدرب الحنون، لتسأله: "كيف حالك؟ دير بالك". فكانت الإجابة مختصرة: "أنا كويس.. أنتم ديروا بالكم على حالكم"، أكملت هي الحوار: "مطولة؟"، ليرد بثقة: "لا بكرا إن شاء الله بتكون خالصة".


اقرأ أيضًاآمال الخواجا: بديش ابني خالد يكون مجرد رقم


تحدث على عجالة مع مريم وجمال، وعندما جاء دور إسماعيل الذي كان قد تعلّم قول "بابا" حديثًا، صار يناديه "بابا.. بابا"، هنا سمعت يسرى كلمة أسامة الأخيرة: "حبيب قلبي يابا". لتكون هذه اللحظة الأخيرة والوداع الأخير. في سيرة أسامة تقول يسرى: "هو عسكري خارج البيت فقط، في البيت لا أحد أحنّ منه، كان صديقًا لأبنائه، كان يضعني في الواجهة، يطلب مني تصحيح سلوك الأطفال، وتوضيح أخطائهم لهم، بينما يحافظ على صورته الحنونة أمامهم".

"رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا، وببابا أسامة شهيدًا مرضيًا".. كانا أطفالي يرددانها معي، كنت الأم والأب لهم، رفضت الانكسار، وواصلت لأجلهم، وأن تكوني زوجة شهيد يعني أن المفخرة حقك ومستحقك".

بيان زوجة الشهيد أنس الشريف

زوجة الشهيد أنس الشريف

عُرف أنس الشريف كمراسل قناة الجزيرة، وقبلها كان يعمل مصورًا حرًا، لكنه أصرّ على العمل في نقل الحقيقة شمال قطاع غزة ورفض التخلي عن الشمال، وهو متزوج وأب لطفلين شام وصلاح.

قبل استهدافه في خيمته رفقة عدد من زملائه الصحافيين، كان قد أوصى زوجته بعدم الحزن، وأكد على ثقته بها بتحمل المسؤولية وحدها، ووعدها بالمجيء للمنزل يوم ميلادها، لكنه رحل شهيدًا يومها قبل أن يهديها هديته الأخيرة.

كتب أنس وصيته: "أوصيكم ألّا تُسكتكم القيود، ولا تُقعِدكم الحدود، وكونوا جسورًا نحو تحرير البلاد والعباد، أُوصيكم بأهلي خيرًا، أوصيكم بقُرّة عيني، ابنتي الحبيبة شام، التي لم تسعفني الأيّام لأراها تكبر كما كنتُ أحلم أوصيكم بابني الغالي صلاح، الذي تمنيت أن أكون له عونًا ورفيق دربٍ حتى يشتدّ عوده، فيحمل عني الهمّ، ويُكمل الرسالة".

"شام كبرت يا أنس.. وهالمرّة، راح تروح الروضة من دونك.  مش أنا وإنت نودّيها مع بعض مثل قبل، كبرت شام وبتسألني: "بابا راح يوصلني؟ زي ما كان دايمًا يوصلني؟" وما بعرف شو أجاوب.. راح أوصلها بس الشعور، موجع كل خطوة راح تذكرني فيك، كل ضحكة منها راح توجعني، لما تسألني عنك، بقولها: "بابا" بيحبك، وعم يشوفك من فوق، وبيفرح فيكي بكل خطوة بتكبري فيها".

وأكمل: "أوصيكم بوالدتي الحبيبة، التي ببركة دعائها وصلتُ لما وصلت إليه، وكانت دعواتها حصني، ونورها طريقي.  أدعو الله أن يُربط على قلبها، ويجزيها عنّي خير الجزاء. وأوصيكم كذلك برفيقة العمر، زوجتي الحبيبة أم صلاح بيان، التي فرّقتنا الحرب لأيامٍ وشهورٍ طويلة، لكنها بقيت على العهد، ثابتة كجذع زيتونة لا ينحني، صابرة محتسبة، حملت الأمانة في غيابي بكلّ قوة وإيمان".

في يوم الوداع، دقيقة واحدة كانت من نصيب زوجة أنس بيان خالد، لتودع زوجها، قالت لهم: افتحوا لي الكفن.. أريد أن أراه وأقبل جبينه". لكنهم رفضوا لأن وجه أنس كان مشوهًا وبلا عينين، انتزعوه من أمامها ليوراى الثرى لتقف مدهوشة من هول الحدث، فكيف لأنس أن يتركها وحيدة.

بعد أشهر من فراقه، كتبت: "شام كبرت يا أنس.. وهالمرّة، راح تروح الروضة من دونك.  مش أنا وإنت نودّيها مع بعض مثل قبل، كبرت شام وبتسألني: "بابا راح يوصلني؟ زي ما كان دايمًا يوصلني؟" وما بعرف شو أجاوب.. راح أوصلها بس الشعور، موجع كل خطوة راح تذكرني فيك، كل ضحكة منها راح توجعني، لما تسألني عنك، بقولها: "بابا" بيحبك، وعم يشوفك من فوق، وبيفرح فيكي بكل خطوة بتكبري فيها".

نهروان برزق زوجة الشهيد يحيى برزق

زوجة الشهيد يحيى برزق

استُشهد في 30 سبتمبر 2025، بعد استهدافه في مدينة دير البلح، كان ينتظر أن تنتهي الحرب ويكتب عبر صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي انتظاره لتلك اللحظة. كان يعمل كمصور لحديثي الولادة، وقد اُشتهر بصوره للأطفال، وقبل استشهاده نعى عدد كبير من الأطفال الذي صورهم.

كتبت زوجته نهروان برزق: "حبيبي يحيى، لا أستطيع أن أنطق اسمك مقرونًا بالفقد يا يحيى، كيف أصدق أنك ذكرى وأنا ما زلت أشعر بك في كل زاوية من حياتي؟ انتهت الحرب التي حلمت أن نعبرها معًا، لكنك رحلت قبلها وتركتني أخاف وحدي بعد أن كنا نخاف سويًا".

آلاء أبو قينص زوجة الشهيد حمزة أبو قينص

زوجة الشهيد المنشد حمزة أبو قينص

في 13 أكتوبر عام 2024، جاءها الخبر الذي خنق أنفاسها: "حمزة استُشهد". كانت في جنوب غزة، وهو في شمالها، يقاتل بثبات لا يعرف الوهن، وصلها الخبر فرددت بصوت متهدج: "اللهم رضيت، اللهم هوّن عليَّ فقده".

للمنشد وراثي الشهداء حمزة أبو قينص ثلاثة أطفال أكبرهم لانا يليها بلال ثم محمد، تشبهه لانا في صوته العذب وضحكته ومشيته، تنشد أناشيده وسط أشقائها، فتشعر أمها بوجه حمزة يلوح أمامها، وحينما تلتف لتنظر إلى بلال الذي يشبه ملامح والده وصوته، تضيف والدته: "أرى حمزة أمامي عندما أرى آخر العنقود محمد يشبه والده بالحس الفكاهي، فحين يحكي أشعر بروح حمزة، فسبحان الواهب الذي وهبني أطفال كأبيهم يهونون عليَّ فقده".

ستة عشر عامًا قضتها آلاء إلى جانب حمزة، لم ينس يومًا ذكرى زواجهما، كان يخطط في كل عام لحفل صغير يجمعهما، تقول: "عشت أيامًا مريرة لا أعرف إن كان على قيد الحياة أم رحل شهيدًا، 5 أشهر من عمر الحرب لا أعلم عنه أي خبر، ثم تواصلنا بعد غياب فأخبره أنني تعبت في غيابه فيرد: "تحملي كله بأجره بدك جنة ببلاش".