كان الوقت يمرّ ثقيلًا، ترتجف، وتجوب أروقة المشفى التي نزحت إليها، باحثةً عن خبر يوقف النار المشتعلة في صدرها. وقفت على بابه، تسأل عنه النازحين القادمين من تحت خطّ الموت، بعد اجتياح الجيش لخانيونس. كان اسمه معروفًا: أنيس أبو لبدة، يعرفه أهالي بلدة بني سهيلا، فكان بعضهم يقول، ليطمئنها فحسب: "في حدا بعرفه شافه… وهو بخير".
بعد ساعات، تركت باب المشفى وتوجّهت نحو خيمتها المقامة في ساحته، تنتظر خبرًا. احتضنت طفلتها ذات العامين والنصف، وهي تصرخ متشبّثةً بها: "ما تروح يا بابا، خليك معنا". عندها أيقنت أن الشعور الذي داهمها لم يكن وهمًا، بل حقيقة ثقيلة، وأن زوجها أنيس قد رحل شهيدًا. بعد دقائق، سمعت صوت ابنة عمّتها يقول: "ثمانية شهداء في بني سهيلا".
بدأت بقراءة الأسماء؛ الأول، فالثاني… ثم صمتت. انتبهت لها، وحثّتها على المواصلة، فجاءت قريبة أخرى، أمسكت الهاتف، وصمتت هي أيضًا، وكان الصمت هذه المرة أبلغ من أي اسم.
تروي ربا أبو تيم عن زوجها الشهيد أنيس أبو لبدة لـ"لبنفسج"، الذي رحل في بداية الحرب، لكن روحه بقيت؛ في طفليه اللذين بقيا من رائحته، وفي قلبها الذي نبض بحبه أعوامًا. تروي لحظة فقده، وما فعل بها الغياب بعده.
فقد الحبيب ضياع

في الخامس من ديسمبر 2023، جرّبت ربا معنى الفقد للمرة الثانية خلال فترة وجيزة. قبلها بقليل، كانت قد فقدت شقيقها معتز، فكان زوجها أنيس سندها الوحيد، يواسيها، يربّت على قلبها المفجوع، ويحاول أن يرمّم ما تهدّم داخلها بفراق الأخ. لكن الفقد لا يكتفي أحيانًا بمرة واحدة. فجأة، رحل أنيس، ليترك خلفه فراغًا لا يُسد، ووجعًا لا يندمل.
رحل السند، وبقيت ربا وحدها في مواجهة حزن مضاعف، تحمل خسارتين في قلب واحد، وتحاول أن تتعلّم كيف تستمر، لا لأنها قادرة، بل لأن الحياة لا تتوقف احترامًا للألم.
تقول لبنفسج بصوت أنهكه الفراق: "بعد استشهاد شقيقي معتز وقصف منزلنا، نزحنا إلى المشفى الأوروبي في خانيونس، لنكون قريبين من شقيقي المصاب وزوجته وابنته، وكان أنيس يزورنا بشكل دائم. قبل رحيله بيوم، جاءنا بصندوق كبير فيه أشياء كثيرة للأطفال، فمازحته وقلت: "جاي تودعنا كنك"، فابتسم وغادرنا على أمل اللقاء مرة أخرى".
اقرأ أيضًا: ثم غاب ساري إلى الأبد.. عن يتيمين وأب شهيد
في اليوم التالي، شعرت ربا بمشاعر غريبة ومختلطة، كأن الفقد هذه المرة سيباغتها حقًا. كان قلبها مثقلًا بحدس لم تستطع تفسيره، لكنها صدّقته. وما هي إلا ساعات حتى وصل الخبر، وكانت وقتها تحتضن صغيرتها، التي بدأت تنادي والدها باكية.
شعرت ربا أن الطفلة سبقتها إلى الحقيقة، كأنها أحسّت أن مكروهًا أصاب أباها. ولأن ربا تؤمن بالحدس، أيقنت حينها أن أنيس قد رحل، مُقبلًا غير مُدبر، وأن ما شعرت به لم يكن خوفًا عابرًا، بل وداعًا مبكرًا تسلّل إلى القلب قبل الخبر.
في سيرة الرجل الحنون

لدى أنيس أبو لبدة طفلان، علاء (7 أعوام) ولونا (5 أعوام)، لكنهما كانا أكبر من سنّهما، يعيان ماذا يعني رحيل الشهداء، وما هو أجر الصابرين. تقول ربا لبنفسج وهي تمسح على رأس صغيرتها: "ابنتي تنظر لكل طفلة يلاعبها والدها، وتظهر دموعها في مثل هذه المواقف، فتسألني ببراءة: "هيك لما أزعل... لما أشوف هيك موقف وأشتاق لبابا بكون أنا مش صابرة؟"، فأعانقها".
أما علاء، فيحادث الله في كل وقت، يخبره بصوته الرقيق: "يا رب، إنت عارفني صابر، بس زعلان ومشتاق لأبوي". لم ينفكّ الطفلان عن ذكر والدهما طوال عامين من الفراق، كبرا على سيرته واسمه، فهو الأسير المحرر من سجون الاحتلال. يذكرانه في البيت بقولهم: "بابا كان يحب هذه الأكلة، بابا كان يفعل هكذا".
اقرأ أيضًا: إسلام مقداد: الموت زائر يومي لأمهات غزة
رحل الرجل البارّ بوالديه، وكانت والدته طوال عامين تبكيه كل يوم، حتى لحقته شهيدة. كان حنونًا على زوجته وأطفاله، حريصًا على أن يزرع في قلوبهم الإيمان والمحبة. تتذكره ربا وهو يعقد مسابقات لحفظ القرآن الكريم بين طفليه ليتنافسا في الأجر. تفتقده في كل لحظة مريرة خاضتها وحدها، في غياب السند الذي كان يخفف عنها كل ثقل، وفي غياب الحنان الذي كان يملأ البيت دفئًا وأمانًا.

