أن تكون بعيدًا عن عائلتك، أن تعيش حياة الاغتراب وحيدًا ويقتلك الخوف على مهل، كل خبر عاجل يسقط في قلبك فيهوي به إلى قاع سحيق، أن يعيش أهلك تحت حرب إبادة جماعية، وأنت بعيد عنهم، فيشتعل قلبك كمجرة لا تهدأ، تدور فيها الأسئلة بلا إجابة، والخوف بلا نهاية. سافرت إلى مصر قبل اندلاع الحرب بمدة وجيزة، ولم أكن أعلم أن الغياب سيطول، وأنني سأُعلق خارج البلاد، وحيدة، عاجزة، أراقب الموت وهو يقترب ممن أحب دون أن أستطيع فعل شيء.
أنا هديل مدين، في الخامس من نوفمبر 2024، فقدت عائلتي والدي وأشقائي الخمسة، في ذلك اليوم، وصلني خبر من ابنة خالتي بأن المنطقة التي تقطنها عائلتي قد استُهدفت، حينها، انهار كل شيء بداخلي، لأنني كنت أعلم يقينًا أنه لا أحد في تلك المنطقة سواهم. لم يكن الخبر مجرد كلمات، فقدت العائلة وظهري المتين، ومنذ تلك اللحظة تغير كل شيء، وبقي الفقد رفيقي، والذاكرة جرحًا مفتوحًا لا يلتئم.
أذكر أبي جيدًا حين أوصلني إلى المعبر، لم ينتظر حتى أغادر، استدار بوجهه سريعًا، ولم يلتفت كما كان يفعل في كل مرة، وكأنه كان يشعر أن ذلك اللقاء هو الأخير. أما والدتي، فأذكرها وهي تعشق جلسة البيت، كان البيت سكنها وأمانها، ملاذها الذي لا تغادره إلا قليلًا، سقط البيت، ورحلت أمي، حاملة قهرها على الذكريات، وشوقها لي، وكل ما لم يُقال.
لم يتبق لي من الذكريات سوى مواقفنا التي أخاف أن تخونني ذاكراتي فأنسى وجوههم، فأظل أقلّب في الصور، أتمعنهم جيدًا، كان الحديث الأخير مع شقيقتي المتزوجة تخبرني فيه أنها تخبز الخبز بعد مجاعة نالت منهم، فبكيت وقتها، فكيف آكل أنا وهم جوعى، أما شقيقي كنت أتشاجر معه لكي يذهب لتعبئة الماء من مكان بعيد لهم، أما والدتي لم أسمع صوتها منذ بداية الحرب، حينما تخاف تفقد صوتها، كنت مشتاقة لها جدًا لكنها الحياة، أما أبي قبل استشهاده بليلة لأول مرة قال لي: "خدي بالك من بناتك".
أذكر أبي جيدًا حين أوصلني إلى المعبر، لم ينتظر حتى أغادر، استدار بوجهه سريعًا، ولم يلتفت كما كان يفعل في كل مرة، وكأنه كان يشعر أن ذلك اللقاء هو الأخير. أما والدتي، فأذكرها وهي تعشق جلسة البيت، كان البيت سكنها وأمانها، ملاذها الذي لا تغادره إلا قليلًا، سقط البيت، ورحلت أمي، حاملة قهرها على الذكريات، وشوقها لي، وكل ما لم يُقال.
يعز عليّ أن أتحدث عنهم واحدًا تلو الآخر، أن أرثيهم ثم أبكي، وكأنني أفقدهم من جديد مع كل اسم. شقيقي الأصغر، كنا نتشاجر كثيرًا، لكنّه كان حبيبي الأقرب إلى قلبي. أما شقيقتي الصغرى أريج، فكنت أشعر أنها شقيقتي الكبرى، من فرط حنان قلبها عليّ، ومن نصائحها ومشورتها التي لم تبخل بها يومًا.
اقرأ أيضًا: حين ترفض الذاكرة الأرقام: ياسمين عنبر توثق حكايات شهداء الإبادة
وشقيقي راغب، أذكره وهو يجمع بالكاد ما يستطيع من المال كل عيد، ليضع العيدية في يدي بابتسامةٍ فخورة، كأنه يقدّم لي العالم كله. وحنين… أذكر قوتها قبل كل شيء، وقلبها الطيب الذي لم يعرف القسوة. أما يزن، ففي كل مرة أرسله ليشتري لي شيئًا، كان يعود بما يحب هو، فأقول له: لا أحبها، فيرد ضاحكًا: لكني أحبها. ما زال صوته يرن في أذني، كأنه لم يرحل.
رحلوا معًا، وطُمست معهم كل الأحلام، كان لكل واحد منهم حلم صغير يود أن يراه يتحقق، فصار الحلم قبرًا، وصارت الذكريات أثقل من الاحتمال، خسارتي بهم لا تُقاس؛ تسعة أفراد كانوا روحي وعمري وحياتي، ثلاثة شباب، وبنتان، ووالديَّ، وبنتا شقيقتي الصغيرتان. كيف لإنسان أن يتعلم العيش بعد أن يُنتزع قلبه دفعة واحدة؟ لا أعرف كيف أعيش دونهم، لكن الله يبثّ في قلبي الصبر والسلوان، وبه وحده أواصل التنفس.

