بنفسج

حين ترفض الذاكرة الأرقام: ياسمين عنبر توثق حكايات شهداء الإبادة

الأربعاء 21 يناير

كتاب الشهداء ليسوا أرقامًا
كتاب الشهداء ليسوا أرقامًا

«الشهداء ليسوا أرقامًا» لم تكن مجرد عبارة تُردَّد في سياق الغضب أو الحزن، بل مبدأ ونهج أخلاقي حمله كل من أدرك أن الإبادة لا تستهدف الجسد الفلسطيني وحده، بل تسعى إلى محو تاريخه وذاكرته وأثره، كي لا يبقى له اسم ولا حكاية.

أطفال لم يلمسوا خيط الشمس بعد، عائلات لم يبقَ منها سوى صورة للذكرى، وربما أُبيدت تلك الصور تحت الركام أيضًا، صحفيون اغتيلوا لأنهم كانوا صوتًا، وأطباء ومسعفون قُتلوا لأنهم داووا جرحًا أو أنقذوا روحًا. كثيرون غابوا في حرب الإبادة دون أن تُخلَّد حكاياتهم… ومن هنا بدأت الحكاية.

"الشهداء ليسوا أرقامًا"

IMG-20260121-WA0053.jpg

ياسمين عنبر، كاتبة فلسطينية غزية، عاشت حرب الإبادة في الغربة. شهران كاملان كانت الأخبار فيهما تلتهم روحها، عاجزة عن الكتابة أو الفعل، تحاول أن تكتب عمّا يعيشه أهلها تحت الموت فلا تستطيع. إلى أن وجدت نفسها، بين يوم وليلة، وكأنها تحمل أمانة الشهداء، فاختارت أن تكون صوتًا لحكايات لم تُحكَ. وكان كتاب «الشهداء ليسوا أرقامًا» خيارها للتعبير عنهم.

تستعيد عنبر الدافع الأول الذي استنهض فيها فعل الكتابة، فتقول:   «أستذكر والدة الشهيد ياسر أبو النجا، الطفل الذي خلدت قصته سابقًا بعدما استشهد خلال مسيرات العودة. كتبت عن حلمه وحلم والديه بأن يصبح خيّالًا فارسًا، لكن الاحتلال قتله قبل أن يُكمل حلمه».  

وتضيف: «قالت لي والدته إنها بعد استشهاده ذهبت تبحث عمّن كتب عن ابنها، عن حلمه الذي لم يكتمل، وعن جسده الذي فتّته الاحتلال، فلم تجد شيئًا. حينها قطعت عهدًا لها أن أوثّق قصص الشهداء ما استطعت».

تبدو الأرقام باردة كلما ترددت على الشاشات، وكأنها خناجر تُغرس في صدور أحبّاء الشهداء. فكيف لرقم واحد أن يختصر حياة كاملة، بكل تفاصيلها وأحلامها ووجعها؟ «الشهداء ليسوا أرقامًا» فكرة أطلقها الشهيد رفعت العرعير قبل أن يغادرنا، وكأنه يسلّم الأمانة لكل من يملك الكلمة. ثم حملتها الشهيدة آمنة حميد، التي حاولت أن تكون صوتًا للشهداء قبل أن تغتالها طائرات الاحتلال. فصار هذا النهج أمانةً متوارثة، يحملها كل من يدرك حقيقة الإبادة.

توثيق للتاريخ

IMG-20260121-WA0049.jpg

بدأت ياسمين عنبر حمل هذه الأمانة بإصدار كُتيّب وثّقت فيه قصص عشرة شهداء، قبل أن تفتح لها مؤسسة القدس الدولية أبوابها، لتخط بدعمها مئة قصة. اعتمدت في الكتاب على الدمج بين السرد الصحفي الدقيق والحس الإنساني الأدبي، مع الحرص على توثيق المعلومات قدر الإمكان، وتقديمها كما هي دون مبالغة أو تزييف، لكن بروح تعيد للشهيد اسمه وملامحه وظلّه وصوته. وهو ما جعل مرحلة جمع المعلومات شديدة الصعوبة، خاصة في ظل انقطاع الاتصال وصعوبة التواصل مع غزة وأهلها.

تقول عنبر: «اخترت أن يتحدث الشهداء عن أنفسهم، أن يكونوا مع القارئ بشكل مباشر دون وسيط، لذلك استخدمت ضمير المتكلم في كتابة قصصهم، كي تصل حكاياتهم أقرب وأكثر صدقًا». تنوعت القصص التي وثقتها الكاتبة، فخصّصت للأطفال قسمًا يوثّق أحلامهم الصغيرة، تفاصيل بيوتهم ومدارسهم، وما روته عائلاتهم عن أيامهم الأخيرة، ليذكّر القارئ بأن الأطفال لم يكونوا طرفًا في الحرب، بل ضحاياها الأكبر.  


اقرأ أيضًا: بين الرحيل والبقاء: نساء غزة عند مفترق النجاة والذاكرة


كما وثّقت حكايات الأطباء والمسعفين، عن حياتهم قبل الحرب وخلالها، وعن اللحظات التي لامسوا فيها الموت لإنقاذ غيرهم. وفي قسم آخر، رصدت قصص الصحفيين الذين حملوا الكاميرا حتى اللحظة الأخيرة، وواصلوا توثيق الحقيقة رغم الخطر، وما تركوه خلفهم من عائلات وزملاء. إلى جانب ذلك، وثّقت عنبر قصص العائلات التي أُبيدت بالكامل، ولم يتبقَ منها سوى صور عائلية، كشاهد وحيد على حياة أُطفئت من الوجود.

ففي زمنٍ تُختزل فيه الأرواح بأرقامٍ باردة، يأتي كتاب «الشهداء ليسوا أرقامًا» ختام ثلاثمئة يوم من العمل خلال حرب الإبادة، ليعيد للراحلين أسماءهم وملامحهم وحكاياتهم، وليذكّر العالم بأن من استشهدوا لم يكونوا أرقامًا في نشرة إخبارية، بل بشرًا لهم أحلام وبيوت وأمهات ينتظرن. هو عملٌ يتجاوز التوثيق إلى الوفاء، ويؤكد أن الإبادة لن تنجح في محو الذاكرة، ما دام هناك من يكتب ويحمل أمانة الشهداء.