مع اقتراب شهر رمضان، تستعد العائلات للشهر بتجهيز أجود أنواع التمور، حتى تتزيّن الموائد به عند الإفطار، باعتبارها سنة مؤكدة عن النبي ﷺ، فيُذكرنا بالبساطة والبركة. ومع ذلك، فإن اختيار التمر اليوم لم يعد مجرد مسألة غذائية، بل أصبح اختبارًا للضمير والأخلاق، إذ يحمل وراءه أبعادًا سياسية واقتصادية وإنسانية لا يمكن تجاهلها. السؤال الذي نطرحه يلامس صميم هذا الاختبار: هل يمكن أن نحرص على سنة الإفطار به وندعم في الوقت نفسه نظامًا استعماريًا يستغل الأرض والإنسان الفلسطيني؟
التمر ليس غذاءً عاديًا في رمضان، بل أساسًا عند الجميع، ويندر أن نجده غائبًا عند أي منزل مسلم أينما كان. صحيح أن الإفطار على التمر سنة يربط بين المائدة والروحانية في هذا الشهر الفضيل، لكن في ظل واقع الاحتلال والاستغلال، يصبح هذا التقليد وسيلة اختبار لضمان التوافق بين العبادة والممارسة اليومية للعدالة والضمير..!
فلنقاطع التمور الإسرائيلية

إن شراء تمور مزروعة على أراضٍ فلسطينية محتلة، أو مُنتَجة في مستعمرات ومستوطنات إسرائيلية، يعني دعم هذا النظام الاستعماري ماليًا، وفي الوقت نفسه تهديد صمود المزارعين الفلسطينيين المحليين.
في بيانها السابق رمضان 2025، شددت حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) في فلسطين على البعد الأخلاقي المباشر لاختيار التمر، معتبرة أن القضية ليست مجرد منتج زراعي، بل مسألة عدالة وحقوق. وجاء في بيانها: "لنقاطع التمور الإسرائيلية: إنّ هذه التمور مزروعة على أراضٍ فلسطينية منهوبة ويتمّ ريّها بمياه مسروقة. تحقّق/ي دائمًا من الملصق، ولا تشترِ/ي التمور التي يتم إنتاجها أو تعبئتها في دولة الاحتلال أو مستعمراتها. إن لم تجد/ي بلد المنشأ على الصندوق، فتحقّق/ي من الموقع الإلكتروني".
هذا البيان يضع المسؤولية مباشرة أمام المستهلك، لا بوصفه طرفًا ثانويًا في السوق، بل فاعلًا مؤثرًا في دورة الاقتصاد السياسي للاحتلال. فالأرض المنهوبة واقع قانوني موثق يتعلق بالمستعمرات المقامة على أراضي الضفة الغربية، كما أن التحكم بالمياه أحد أبرز أدوات السيطرة التي يعاني منها المزارع الفلسطيني، خاصة في مناطق الأغوار التي تُعد من أهم مناطق زراعة النخيل.
اقرأ أيضًا: المقاطعة بعد وقف إطلاق النار: معركة الوعي التي لا تنتهي
وتتجاوز الدعوة مجرد المقاطعة العامة، لتشدد على منهجية واضحة: التحقق من الملصق، التدقيق في بلد المنشأ، والبحث في الموقع الإلكتروني عند غياب المعلومات. هذه التفاصيل تكشف حجم التحايل التجاري الذي ترافق مع حملات سابقة، حيث تم تغيير أسماء علامات تجارية أو إعادة تغليف المنتجات بعد انكشاف مصدرها الاستيطاني.
بهذا المعنى، لا يصبح السؤال فقط: "هل نشتري أم نقاطع؟"، بل "هل نتحقق قبل أن نشتري؟". لأن الإفطار على تمر في رمضان سنة نبوية صحيح، لكن التحري في مصدره مسؤولية.
ادعم المنتج المحلي

المزارعون الفلسطينيون هم قلب هذا النضال الاقتصادي والاجتماعي. تنتشر أشجار النخيل في مناطق مثل أريحا والأغوار، حيث تمتد آلاف الدونمات لتكون جزءًا من تراث زراعي طويل الأمد. يعتمد آلاف الأسر الفلسطينيين على موسم حصاد التمور كمصدر دخل أساسي، بينما يعمل آلاف العمال الموسميين والدائمين في التعبئة والحصاد، منهم نسبة كبيرة من النساء. ورغم أن فلسطين تصدّر التمور إلى أكثر من عشرين دولة، فإن المزارعين يواجهون تحديات كبيرة، أهمها نقص المياه نتيجة سيطرة الاحتلال على الموارد، والتضييق على الأراضي الزراعية، ووجود مستعمرات تسيطر على مصادر طبيعية كانت متاحة سابقًا للفلسطينيين.
والأصعب من ذلك أن هناك مساحات شاسعة من الأراضي المنتجة تم مصادرتها من المزارع الفلسطيني وأضطر ذات المزارع أن يعمل في هذه الأراضي المسروقة لتأمين قوت يومه! موقف هش أمام ظروف اقتصادية صعبة واستغلال الاحتلال المتواصل للموارد.
ليست القضية اقتصادية أو إنسانية فقط، بل تتعداها إلى مستوى الأخلاقي والسياسي. الاحتلال والشركات الداعمة له يلجؤون لأساليب دقيقة لخداع المستهلك، إذ يتم تغيير التغليف والعلامات التجارية، وإخفاء بلد المنشأ على العبوات، أو إعادة التصدير عبر دول ثالثة لتبدو المنتجات محلية أو بعيدة عن الاحتلال. الإعلانات الرمضانية تستغل تقليد الإفطار بالتمر لترويج المنتجات وكأنها خيار "محلي وأخلاقي"، بينما الواقع أن أرباحها تعود إلى كيان الاحتلال بطريقة ما. هذا يجعل من التحقق من بلد المنشأ قبل الشراء ضرورة لا غنى عنها، لضمان أن يكون الالتزام بالسنة لا على حساب العدالة أو حقوق الآخرين.
في رمضان، احرصوا ألا تفطروا بطعم الفصل العنصري.. لا تشتري التمور التي تحمل مكان إنتاجها "إسرائيل".
وفي هذا السياق، أكدت حملة منظمة "أصدقاء الأقصى" في بريطانيا، التي تنشط سنويًا قبل رمضان، على أن المستهلك مسؤول: "في رمضان، احرصوا ألا تفطروا بطعم الفصل العنصري.. لا تشتري التمور التي تحمل مكان إنتاجها "إسرائيل". حتى في الأسواق الأوروبية، أدت الحملات إلى اختفاء بعض العلامات التجارية الإسرائيلية من الرفوف، لكن ناشطين المقاطعة يؤكدون ضرورة البقاء يقظين دائمًا.
وفي المغرب، نجحت حملة حركة BDS في منع دخول المنتجات الإسرائيلية إلى الأسواق الرمضانية العام الماضي بعد تعاون مباشر من قبل الحكومة المغربية في تصدير منتجات الاحتلال للمغرب، مؤكدة على الوعي الجماهيري كعامل فعال في دعم العدالة الاقتصادية: "هذه الحملة منعت تسلّل تمور آلة الحرب الإسرائيلية إلى الموائد الرمضانية للمغاربة… وندعو المستهلكين إلى الالتزام بمقاطعة منتجات الاحتلال والتحقق من مصدر التمور قبل شرائها".
المقاطعة قرار أخلاقي

التمور الفلسطينية ليست مجرد منتجات غذائية، إنها دعامة اقتصادية حيوية للمزارعين الذين يقفون صامدين في وجه التحديات اليومية، ووسيلة للحفاظ على هوية زراعية وثقافية. جودة التمور الفلسطينية، خاصة في مناطق مثل الأغوار، تتميز بنكهة وقيمة غذائية عالية، ما يجعلها خيارًا ليس فقط أخلاقيًا، بل اقتصاديًا وبيئيًا أيضًا. دعم هذه المنتجات يضمن استمرار صمود المزارعين وتوفير فرص عمل عادلة للعمال الفلسطينيين، ويقلل من الاعتماد على التمور المنتجة في مستعمرات الاحتلال التي تستغل الموارد دون مراعاة حقوق الإنسان.
في رمضان هذا العام، عندما تضع التمر على المائدة، يصبح قرارك أكثر من خيار غذائي، إنه قرار سياسي وأخلاقي وإنساني. إنه دعم لصمود المزارعين الفلسطينيين، رفض للاستغلال والاستعمار، وتأكيد على أن السنة والعدالة لا يمكن لهما إلا أن تسيران جنبًا إلى جنب. قرارك في اختيار التمر يعكس موقفًا من الاحتلال ومن العدالة، ويجعل من المائدة الرمضانية مساحة للتعبير عن التمسك بالهوية ودعم صمود المزارعين وممارسة العبادة بطريقة متوافقة مع القيم الأخلاقية والسياسية والإنسانية.
التمر على مائدتك هو رمز للبركة والالتزام بالسنة النبوية، لكنه أيضًا اختبار للضمير. الاختيار الواعي يعكس موقفًا من الاحتلال ومن العدالة، ويجعل من المائدة الرمضانية مساحة للتعبير عن التمسك بالهوية، ودعم صمود المزارعين، وممارسة العبادة بطريقة متوافقة مع القيم الأخلاقية والسياسية والإنسانية. رمضان هذا العام ليس فقط مناسبة دينية، بل فرصة لإعادة التفكير في كل ما نضعه على المائدة، والتأكد أن كل تمر يمثل التزامًا بالعدالة والضمير والحق الفلسطيني.

