من مسافة آلاف الكيلومترات التي تفصل بين المغرب وقطاع غزة، وفي واحدة من أكثر اللحظات دموية في تاريخ القطاع، إذ تُشن حرب إبادة بلا هوادة، اتخذت الطبيبة المغربية المختصة في أمراض النساء والتوليد زينب المزابري قرارها: أن تترك أمان البُعد، وتسير نحو الخطر، ضمن وفد طبي جاء ليقدّم ما أمكن من دعم إنساني وطبي.
لم تكن رحلتها إلى غزة مجرد مهمة طبية عابرة، بل فعلًا إنسانيًا واعيًا، اختارت فيه أن تكون قريبة من النساء الغزيات في أكثر لحظاتهن هشاشة. هناك، تتضاعف آلام الحمل والولادة تحت القصف والخوف والنزوح، تصبح الولادة فعل مقاومة، والجسد ساحة صمود، والطبيبة شاهدة وشريكة في النجاة.
العبور نحو غزة

كان دخول فلسطين، ولا سيما قطاع غزة، حلمًا راود الطبيبة المزابري لسنوات طويلة. وحين جاء الوقت الأكثر قسوة ودموية، لم ترَ في الخطر سببًا للتراجع، بل دافعًا للمضي قدمًا. تقول: "لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، سواء كنا في المغرب أو في غزة". أما عائلتها، فبين الخوف الطبيعي والفخر الصامت، انتصر إيمانهم بعدالة القضية على القلق، فدعموا قرارها انطلاقًا من حبهم لغزة وأهلها.
لحظة الوصول إلى غزة تصفها المزابري بأنها اندفاع روحي خالص: "ركضتُ عند معبر كرم أبو سالم كأنني أركض إلى الجنة". فغزة، في وعيها، جنة بشهدائها وبصبر أهلها. غير أن هذا الشغف سرعان ما اصطدم بمشهد دمار يفوق الوصف، دمار لا تنقله عدسات الكاميرات ولا تحتمله اللغة. أمام الركام، وجدت نفسها تتساءل بمرارة: "كيف سنقف أمام الله يومًا، ونسأل عن هذا الخذلان؟". ورغم كل ذلك، رأت في غزة ما لا تستطيع الحرب كسره: يقينًا راسخًا، وصبرًا يتجاوز طاقة البشر، وإرادة حياة تنبع من تحت الأنقاض.
وحياة تُنتزع من قلب الموت

في أقسام النساء والتوليد، بدا المشهد مختلفًا عمّا يُنقل للعالم. فرغم الدمار الشامل، يعمل الطاقم الطبي كخلية نحل لا تعرف التوقف، بإمكانات شبه معدومة، وإرادة لا تنكسر. ترى المزابري في هذا المشهد شكلًا نادرًا من أشكال الصمود الجماعي. لكن الحالات التي واجهتها كانت قاسية حد الصدمة. تقول: "نساء منهكات نفسيًا يلدن بعد ليالٍ من القصف والفقد، وأخريات مكسورات الأجساد، يحملن في أجسادهن شظايا الحديد، وفي بطونهن الحياة. آلام المخاض تختلط بآلام الكسور، ولا مساحة للشكوى".
وتصف الطبيبة واقعًا طبيًا بالغ القسوة داخل المستشفيات: نقصًا حادًا في الأجهزة، انقطاعًا متكررًا للكهرباء، شحًا في الأدوية، وسياسة "الحد الأدنى" المفروضة بفعل إغلاق المعابر. وعن العمليات القيصرية، تقول: "تُجرى بعض العمليات القيصرية دون تخدير كافٍ، وحين تستفيق المرأة من الجراحة، لا تجد مسكنًا يخفف عنها ألمها… سوى الصبر".
اقرأ أيضًا:الغائبة جسدًا.. الحاضرة وجعًا: ماذا يعني أن أكون ناجية وحيدة؟
وتحذر المزابري من التأثيرات الخطيرة للنزوح وسوء التغذية والضغط النفسي على النساء الحوامل، مؤكدة أن كثيرًا من هذه الحالات تنتهي بفقدان الجنين، وأحيانًا بفقدان الأم نفسها. وتشير إلى ارتفاع غير مسبوق في حالات الإجهاض والمخاض المبكر، فيولد معظم الأجنة قبل اكتمال نموهم، غير قادرين على التنفس، في ظل غياب الحضّانات وأبسط مقومات الرعاية، وكثير منهم لا ينجو. حتى من يولدون في الشهر التاسع، يأتون إلى الحياة بأجساد هزيلة، ضحايا مجاعة صامتة ما زالت تحاصر غزة حتى اليوم.
تقول المزابري إن غزة مثقلة بالقصص إلى حد أن كل حكاية تُنسي ما قبلها من شدة الوجع، وكأنها مشاهد من الخيال، لكنها حقيقة يومية. وترى أن المرأة الغزية، سواء كانت مريضة أو طبيبة أو أمًا مفجوعة، تمثل نموذجًا استثنائيًا في القوة: "امرأة لا تنكسر، نار لا تحرق، تؤمن أن الغد قادم مهما طال الليل".
وترى أن المرأة الغزية لا تحتاج فقط إلى دواء، بل إلى راحة شاملة: راحة من النزوح، من الخوف، من الألم، من سنوات طويلة من التضحية المستمرة. وعن تعامل أهل غزة مع الوفد الطبي، تعترف المزابري بشعور الخجل أمام كرمهم. رغم الجوع والحاجة، كان الناس يؤثرون غيرهم على أنفسهم، يقدمون القليل وكأنه كثير. فغزة، كما تصفها، شعب كريم حتى وهو ينزف.
غزة: تغير نظرتك للحياة

إنسانيًا، تقول المزابري إن غزة غيّرت نظرتها للحياة، وأعادت ترتيب أولوياتها، وذكّرتها بزوال الدنيا وبجوهر الإيمان. ومهنيًا، عززت قناعتها بأن الطواقم الطبية العربية، رغم ضعف الإمكانيات، تؤدي رسالتها بكرامة وشرف. وعن العودة، تجيب دون تردد: ستعود إن استطاعت. فغزة، كما تقول، "بقعة من الجنة… تغيّر نظرتك للحياة والموت ولقاء الله، وتمنحك أكثر مما تظن أنك ستمنحه لها".
وحول ما يجب تقديمه اليوم، تشدد الطبيبة على أن إنقاذ قطاع النساء والتوليد يبدأ بفتح المعابر فورًا، وإدخال الأدوية والمعدات، وإجلاء المرضى والجرحى. كما تؤكد أن استمرار التواصل مع أطباء غزة ليس دعمًا طبيًا فحسب، بل سند نفسي بالغ الأهمية لكوادر تعمل تحت ضغط لا يُحتمل.
ليست شهادة الطبيبة زينب المزابري مجرد سرد لتجربة إنسانية في زمن الحرب، بل وثيقة إدانة مفتوحة لكل هذا الصمت. في غزة، لا تُولد الحياة فقط تحت القصف، بل يُختبر الضمير الإنساني على حافة العجز والتواطؤ. وبين غرف الولادة المظلمة وأجساد النساء المنهكة، يتكشّف سؤال لا يمكن الهروب منه: ماذا يعني أن نعرف، ثم لا نفعل؟
أما رسالتها للعالم الطبي والإنساني، فجاءت واضحة بلا مواربة: "سنُسأل عمّا فعلناه من أجل غزة. وكل من يستطيع أن يساعد، عليه أن يفعل"، داعية إلى استخدام كل أدوات الضغط المتاحة، بما فيها مقاطعة الاحتلال ومنتجاته. وتختم شهادتها بسؤال أخلاقي مفتوح، يلاحق الضمير الإنساني: "النصر من عند الله آتٍ لا محالة… لكن ماذا قدّمنا نحن؟ وهل بذلنا حقًا ما يكفي لنستحقه؟".
ليست شهادة الطبيبة زينب المزابري مجرد سرد لتجربة إنسانية في زمن الحرب، بل وثيقة إدانة مفتوحة لكل هذا الصمت. في غزة، لا تُولد الحياة فقط تحت القصف، بل يُختبر الضمير الإنساني على حافة العجز والتواطؤ. وبين غرف الولادة المظلمة وأجساد النساء المنهكة، يتكشّف سؤال لا يمكن الهروب منه: ماذا يعني أن نعرف، ثم لا نفعل؟ فغزة لا تطلب الشفقة، بل العدالة. ولا تنتظر الدموع، بل موقفًا يرقى إلى حجم الدم، وحجم الحياة التي ما زالت تُنتزع من بين الركام.

