يُقال: «خلف كل رجل عظيم امرأة»، فكيف برجال غزة، أولئك الذين مشوا إلى النار بصدورٍ عارية، يضمدون جرحًا تحت القصف، وينتشلون حياةً من بين الركام، ويرفعون أصوات العالقين تحت الأنقاض إلى العالم؟ أيُّ نساءٍ يقفن خلف هؤلاء؟ إنهنّ نساء غزة… القويات حين ينهار كل شيء، الصابرات حين يطول الغياب، اللواتي قدّمن أزواجهن إلى خطوط الخطر، وبقين وحدهنّ في مواجهة الخوف، يحملن عبء البيوت، وقلق الانتظار، وأسئلة الأطفال التي لا إجابة لها.
في هذا التقرير، نفتح نافذة على حكايات من ظلّ الميدان، ونلتقي شريكات الخطر الغائبات عن المشهد؛ زوجات رجال الدفاع المدني والصحفيين، اللواتي عشن الحرب بقلوبٍ معلّقة، وواجهن القسوة بالصبر، وصنعن الحياة في زمنٍ كان الموت فيه أقرب من أي وقت مضى.
خلف عدسات الحرب… نساءٌ يدفعن ثمن الصورة

مروة المدهون، زوجة الصحفي صلاح المدهون، واحدة من آلاف النساء اللواتي حملن عبء الغياب والقلق والمسؤولية، بينما كان أزواجهن يوثّقون حرب الإبادة على غزة من خطوط النار الأولى.
منذ اللحظة الأولى للحرب، غادر صلاح منزله استجابة لنداء العمل. تقول مروة إن وداعه لم يكن عاديًا، فقد أخذ كل ما يحتاجه وكأنه يودّع بلا موعد للعودة. عندها شعرت، كما تصف، أن «قطعة من قلبها انتُزعت»، لكنها رغم الخوف لم تطلب منه البقاء، إيمانًا منها بأن زوجها يحمل رسالة إعلامية سامية، وبأن الصحافة في غزة ليست مهنة بل قدرًا.
الخوف كان مضاعفًا، لا سيما مع الاستهداف المباشر للصحفيين. إلا أن أقسى اللحظات جاءت حين فصل الاحتلال شمال القطاع عن جنوبه عبر حاجز نتساريم، لتبقى هي وأطفالها في الشمال، بينما كان زوجها يغطي المجازر في الوسط. سؤال واحد ظل يطاردها: هل سنلتقي مجددًا؟
اقرأ أيضًا: وجع مكتمل ممتد: عن الرحيل التدريجي لأبنائنا الأربعة
ومع انقطاع الاتصالات والإنترنت، تحولت ساعات الليل إلى كوابيس مفتوحة. تقول: «اعتدت أن أسمع صوته يوميًا بعد الحادية عشرة ليلًا، الوقت الوحيد الذي كان يسرقه من الحرب لأجلنا، وحين انقطع كل شيء تضاعف الخوف، وبقيت أعيش مع القلق».
وتضيف: «كل خبر عن استهداف صحفي كان يعني سباقًا مع الخوف، دعاءً عاجلًا، وبحثًا محمومًا في مواقع التواصل الاجتماعي عن أي معلومة تطمئن القلب قبل أن تكتمل التفاصيل».
بعد ستةٍ وأربعين يومًا من الفراق، التقت مروة زوجها مجددًا في وسط القطاع. كان اللقاء محمّلًا بالدموع، حين قال لها: «لن أتركك بعد اليوم». ومنذ تلك اللحظة، اختارت أن تشاركه الخطر، متنقلةً معه بين خيام النزوح ومراكز الإيواء. ورغم تحذيرات الأقارب من الاستهداف، كان ردها حاسمًا: كما اخترت البداية معه، اخترت النهاية معه.
وتصف تجربتها في النهاية بأنها قاسية ومريرة، لكنها صقلت فيها الصبر وتحمل المسؤولية. تجربة تؤكد أن زوجات الصحفيين لسن على هامش الحكاية، بل في قلبها، شريكات في الخطر، يدفعن ثمن الحقيقة بصمت، بينما يوثّق أزواجهن جرائم الإبادة للعالم.
أما الأطفال، فكانوا الحلقة الأضعف. بين أصوات القصف، كانوا يهربون إلى حضنها، تحاول أن تصنع لهم وهم الأمان. أصعب ما تتذكره هو طفلها زين العابدين، الذي كان يستيقظ ليلًا يسأل: «وين بابا؟ بدي بابا ينام عندي». لحظات كانت تخفي فيها دموعها كي لا ينكسروا.
أما عن المسؤولية التي حملتها مروة في غياب زوجها، فكانت مضاعفة؛ رعاية أطفالها، والاهتمام بعمّها المريض، ومحاولة الحفاظ على تماسك العائلة وسط حرب لا تميّز بين أحد. كانت، كما تقول، تحاول أن تكون قوية كما لو أن زوجها حاضر، تطمئن من حولها وتخفي خوفها.
وتصف تجربتها في النهاية بأنها قاسية ومريرة، لكنها صقلت فيها الصبر وتحمل المسؤولية. تجربة تؤكد أن زوجات الصحفيين لسن على هامش الحكاية، بل في قلبها، شريكات في الخطر، يدفعن ثمن الحقيقة بصمت، بينما يوثّق أزواجهن جرائم الإبادة للعالم.
شريكة النجاة.. هدى اشتيوي كتبت الصبر بلا توقيع

هدى اشتيوي، زوجة المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة محمود بصل، تروي جانبًا من تلك المعاناة الخفية، حيث عاشت عامين من الخوف والقلق الدائمين، وهي تعلم أن زوجها في قلب الخطر، وأن ظهوره الإعلامي ونقله الحقيقة قد يجعله هدفًا في أي لحظة.
تصف هدى تلك الأيام بأنها أصعب ما عايشته، وأن كل دقيقة كانت تمر وكأنها سنة كاملة. تقول: «كنت أعلم أن زوجي في قلب الخطر، وأن ظهوره على الشاشة وقوله للحقيقة ونقله لمعاناة شعبنا قد يجعله هدفًا في أي لحظة».
أما عن أشد اللحظات التي عايشتها، فكانت عندما سمعت بخبر قصف مباشر استهدف أحد مراكز الدفاع المدني، دون أن تتمكن من التواصل مع زوجها. لحظات عجز قاتلة، لم تكن تعلم خلالها إن كان حيًا أم لا، في ظل انقطاع الاتصالات والإنترنت، حيث كان الصمت – كما تقول – أكثر فتكًا من القصف.
وتشير إلى أن فترات انقطاع الاتصال كانت الأصعب على الإطلاق، إذ عاشت على الانتظار أيامًا وأسابيع، تحاول الوصول إلى أحد من أهلها أو أهله فقط لتطمئن أنه بخير. في تلك الأيام، لم يكن لها سوى الدعاء، بلا نوم ولا راحة، تتابع الأخبار ليلًا ونهارًا، تنتظر كلمة هدنة أو إعلان نهاية الحرب، فيما أنهكها التعب النفسي والجسدي، وأصبحت مريضة معظم الوقت.
اقرأ أيضًا: آية نصر.. من تحول الفقد إلى كتابة "نجا من مات.. ومات من نجا"
ورغم الانكسار الداخلي، تؤكد هدى أنها كانت تتماسك أمام أطفالها، تحاول أن تخفي خوفها، خاصة في اللحظات التي علمت فيها باستهداف فريقٍ كامل كان زوجها ضمنه، وعاشت أيامًا لا تعلم إن كان بينهم أم لا. وتضيف أن ما رواه لها زوجها لاحقًا لم يكن مشهدًا واحدًا، بل سلسلة مشاهد موجعة، من بينها إصابة والدته ثم استشهادها بعد أسبوع، ثم إصابته هو ونجاته بأعجوبة من قصف صاروخ F16 دمّر المكان بالكامل، واستُشهد كل من كان فيه باستثنائه وزميلٍ له.
أما الأطفال، فكانوا يسألون باستمرار: «بابا وين؟ ليش ما بيجي؟» فتقول هدى: «حاولت أن أكون لهم أمًا وأبًا في آنٍ واحد، أخبرتهم أن والدهم بطل يحمي الناس، وزرعت في قلوبهم معنى التضحية». وتعتبر اشتيوي أن أكبر مسؤولية حملتها كانت تأمين المأوى لأطفالها، خاصة بعد النزوح إلى جنوبٍ مجهول، لا تعرف فيه شيئًا عن المكان أو الحياة أو المصير.
وتستذكر مواقف مؤلمة مع أطفالها، أبرزها عندما مرض ابنها محمد بشدة، وبدأ يهذي وينادي جدته الشهيدة ووالده، لحظة بكَت فيها من قسوة العجز لا من الضعف. ورغم كل ذلك، حاولت هدى أن تزرع الأمان في قلوب أطفالها بالحب والاحتضان والدعاء، تكرر أمامهم دائمًا: «بابا بخير، وسنلتقي به»، حتى حين لم تكن متأكدة من ذلك.
وتعترف بأنها افتقدت زوجها في كل اللحظات؛ في مرضها وضعفها، وفي يوم استشهاد والدها، حين كانت بأمسّ الحاجة لوجوده إلى جانبها. تختم هدى شهادتها بالقول إن التجربة كانت قاسية جدًا، وتركت في داخلها ألمًا لا يُمحى، لكنها في الوقت ذاته زرعت شعورًا عميقًا بالفخر. تقول: «أفتخر بأن زوجي لم يكن مجرد متحدث أو مسعف، بل روحًا حملت الحقيقة إلى العالم ودفع ثمنها، وخلفه بيتٌ صابر عاش الحرب بصمت».
شريكات الخطر الغائبات عن المشهد لسن تفاصيل هامشية في رواية الحرب، بل عمودها الخفيّ؛ أمهات وزوجات صنعن الاستقرار وسط الفوضى، وربّين الأطفال على الأمل بينما كان الغياب سيّد اللحظة. في بيوتهن وخيامهن، كُتبت معارك أخرى لا تقل قسوة عن الميدان؛ معارك الانتظار، والخوف، والانكسار المؤجَّل.
هذه الشهادات اعتراف متأخر بدورٍ ظلّ طويلًا في الظل. اعتراف بأن نساء غزة لم يكنّ خلف الرجال فقط، بل إلى جانبهم، وأمامهم أحيانًا، يسندن الحياة كي تستمر، ويحفظن المعنى الإنساني وسط حرب حاولت انتزاعه. وفي زمنٍ يُحصي الضحايا بالأرقام، تبقى قصص هؤلاء النساء دليلًا حيًّا على أن الصمود لا يُرى دائمًا، لكنه يُصنع كل يوم… بصمت.

