بنفسج

آلاء العرابيد: ستة صواريخ أخذن زوجي وبناتي الأربع

الأربعاء 11 فبراير

الناجي الوحيد من العائلة
الناجي الوحيد من العائلة

"يلي هون عليّ وجع الفقد إني كنت معهم لحظة الإستهداف، كنت قريبة بس ما حسيت بشي وهذا خلاني أصدق إنهم كمان ما حسوا بألم" بهذهِ العبارات بدأت آلاء محمود العرابيد الحديث عن فقدها لزوجها وأطفالها يوم الثلاثاء في الثامن عشر من مارس الماضي في الثانية فجرًا عندما قُصفت الشقة التي كانوا فيها، ستة صواريخ سقطت عليهم دفعة واحدة، استشهد الجميع لكن الله كتب لها النجاة، حينما بدأت الحديث معها رأيت في عينيها ثبات يحكى وصمود يُرى. 

ناجية وحيدة وقلب مثقل

ناجية من الحرب.jpg

لم يكن استقرار آلاء في بيتٍ يضمها وعائلتها بالأمر الهين فقد كابدت الكثير ليكون لها سكن برفقةِ زوجها محمود وبناتها الأربع، ولكن في أول شهر من الحرب قُصف بيتها ودُمر تعب سنواتٍ بلحظة فكان ردها:" المال معوض المهم محمود والبنات بخير" نزحتْ برفقة عائلتها ثلاث عشرة مرة من مكانٍ لآخر ذاقت مرارة النزوح لكنّها بقيت ثابتة في الشمال تصف لي معاناتها فيه:  "صعب لكن كنت مرتاحة زوجي وبناتي معي لأنه همي الكبير كيف أريحهم ويضلوا حوليّ".

 توالت الشدائد على أم البراء حرب، نزوح، فقد للبيت، توقف عن العمل وقطع للراتب ومع ذلك رأت في ذلك المنع منحًا فقد مُنحت فرصة للبقاء وقتًا أكثر مع بناتها اللاتي لم يكن بنات عاديات كما أخبرتني والدتهن عنهن وكما يقول الناسُ فيهن فكانت هي وبناتها قدوة لغيرهن، تقول آلاء بأنّ كل من حولها يصف أطفالها بأنهن"متفوقات، مؤدبات، قنوعات".

 لم تترك والدتهن تعليمهن حتى في الحرب رغم أنّ التعليم توقف كليًّا في غزة لكنها سعت معهن لإكمال دراستهن، كرّست جهدها لأجلهن فكُن كُل حياتها ودُنياها. فترة المجاعة لم تكن هينة على قلبها كيف لا وبناتها مدللات بشكلٍ كبير، اجتهدت لتحصيل الخبز لهن من مكان لآخر حتى أنّ ليان طفلتها ذات العامين في وقت المجاعة كانت ستستشهد من الجوع والمرض الذي أصابها نتيجة انعدام الأكل، سلمت أمرها لله فكان لطف الله بِها كبير فنجت ليان وتعافت. 

رحيل البنات الأربع

استشهاد البنات.jpg

حينما تتحدث آلاء عن بناتها تجدها كأنها تحكي عن كنز ثمين لا يعوض تُحبهم كثيرًا وتفتخر بهم دومًا تقولُ عنهن: "(مها)ميمي ابنتي الكبرى أول فرحتي بالدنيا كانت عنيدة وقوية ذكية بدرجة عجيبة كل حد درسها وشافها حكالي "بنتك يا آلاء عبقرية، بدت تكبر على أنها الدكتورة مها لكن قبل استشهادها بدلت أُمنيتها حكتلي (يا ماما أنا بدي أدرس وأكون مضيفة طيران عشان أضل بالسماء وكل يوم من دولة لدولة).

(ميرا)المهندسة ميرا، كانت تحب الرسم والهندسة، ترتب ألعابها كأنها تصمّم مدينة وتعيد تشكيل كل شيء حولها بخيالها الواسع، كانت دائمًا تنوّر المكان بروحها المرحة، الأميرة هذا كان لقبها بالبيت، ناعمة وهادئة كانت صديقة أبيها ويحبها كثيرًا، تحب أخواتها برقتها، وتحتويهم بهدوئها.


اقرأ أيضًا: وفاء عياش: حين أصابتني الحرب في العزيز


أما (جوانا) تمتلك شخصية قوية جدًا، وعمرها عامين أرسلتها للروضة بطلب منها، تقول: "استشهدت يوم حفلة ميلادها أذكر جيدًا آخر ساعات قبل استشهادها حجزنا لها كيكة باسمها وذهبتُ لشراء هدية مميزة لها بصحبتها لكن يوم استشهادها لم عيد ميلادها كان قبل بخمس أيام لقد نسيته لا أعلم كيف، وكان يوم الحفلة هو تاريخ وفاتها". 

تضيف: " أما (ليان) الملاك ما عاشت ولاشافت الدنيا كتير فقط ٣ سنوات و٣ أشهر كانت ما أجملها أذكر يوم ولادتها وفرحتي بها كأنها مولودتي الأولى، نجت من المجاعة لترحل مع أبيها وأخواتها، أذكر آخر أيام لها  كانت تجري بالبيت وتلعب وتضحك بأعلى صوتها، هي الآن ملاك لكن بالسما".

رحيل الزوج

زوجات الشهداء.jpg
تُكمل آلاء حديثها عن بناتها قائلة: "ا خفّف عني أنني، قبل استشهادهن، كنت أرى في عيونهن فرحًا غريبًا؛ ضحكهن، وحركتهن، وبهجتهن كانت مختلفة، كأنهن يستعددن لرحلة لا تشبه أي رحلة، وكأن أرواحهن كانت تعلم أنها ماضية إلى مكانٍ أجمل".

 مرتْ الحرب بفواجعها لكنّ المؤمن يقظٌ دائمًا لألطاف ورحمات الله بهِ فكانت آلاء كذلك حينما رأت أنّ غياب الأشخاص السيئين من حياتها وقرب الناس الصالحين وتثبيتهم وتصبيرهم لها قبل محنتها وكيف كان وجودهم وحديثهم داعمًا كبيرً لها حتى بعد استشهادهم، كانوا كالملاذ الآمن ربتوا على قلبها ثم غادروا الدنيا بعدما تركوا فيها أثرًا ما غاب رغم غيابهم.

 هدنة شهر يناير كانت أحلى لحظة بحياة آلاء تقول:" ألبستُ بناتي الأربعة أثواب الفرح (الثوب الفلسطيني) من الساعة السادسة صباحًا وفتحتُ أناشيد النصر ثم أخذتهم عند دوار "الصاروخ" هناك كان متمركزًا الإعلام فركز على بناتي بشكل كبير، ثم أضافت: آخر أيام إلهم كانت أحلى أيام كانوا كلهم كتير مبسوطين وكنت أنا مبسوطة بس "مستغربة وكل لحظة من رمضان الماضي لسا مزروعة بعقلي".

أما رفيق دربها وحبيبها محمود، فتقول آلاء عنه: "زوجي، سندي ورفيق عمري. كان الجميع يستغرب شدّة حبه وتعلقه بي؛ كلّ همه راحتي، في يوم استشهاده، زار والدته وأخواته، حتى إن والدته تقول إن وجهه كان مشرقًا بنور غريب؛ كان ينظر إليها، ثم ينهض، ويعود فيجلس، ثم ينهض مرة أخرى، ويفعل ذلك ثلاث مرات، وكأنه يودّعهم".

 تقول أم البراء:" محمود كان بالحرب يجلس ويوصيني يُقبل رأسي ويديّ ويقول لي آلاء أنتِ قوية وربنا رفع مقامك وأعلى مراتبك ومقامك في الدنيا وحضل أدعيلك ربنا يثبتك ويعلي مراتبك أكثر وأكثر" وكرر وصيته لي يوم استشهاده أربع مرات وبشكل غريب".

إصابة قاتلة

اصابات الحرب.jpg

 كان من حديث زوجها لها:"  آلاء أنتِ حتتصاوبي إصابة خطيرة بس أنا راح أكون جنبك، راح أخدمك، وأشيلك بعيوني، وما راح أسمح لحد يقرب عليك". تقول آلاء: "كنتُ أتساءل كيف أم الشهيد بدها تصبر وزوجة الشهيد كيف بتتحمل يغيب عنها زوجها وتعيش وراه" لكنّها كانت الأصبر والأثبت.

أما عن حكاية نجاتها تروي آلاء: "قُصفت الشقة ونحن فيها بستة صورايخ أُلقيت علينا، استشهد الجميع ونجوت أنا بأعجوبة سقطتُ من الطابق الخامس للأرض ولكن كتب اللهُ لي الحياة عند وقوعي على فرشة فسقط الشق الأيمن من جسدي على الفرشة والأيسر على الأرض، عَلم أهلي بنجاتي بعدما توقعوا استشهادي من هول القصف".


اقرأ أيضًا: الطبيبة المغربية زينب المزابري: تشهد ولادة الحياة تحت الجحيم في غزة


تكمل: "أخبر الأطباء عائلتي أنني سأعيش فاقدة النظر وستبتر كفة يدي ورجلي الشمال مع كسر في وجهي وحاجتي للبلاتين، ولكن بعد أيام عاد إليّ نظري وبُتر إصبعين من يدي الشمال فقط وجراح غائرة في رجلي الشمال حتى الدكاترة دُهشوا من نجاتي، والحمدُلله استعدت نظري كاملًا وأصبحتُ أمشي بطريقة صحيحة".

 على سرير المشفى حينما استيقظتْ آلاء بعد القصف سألت عن زوجها وبناتها فأخبرها أهلها أنهم بخير فكان ردها:" أنا فداهم المهم هم بخير" وبعد خمسة أيام زاد شوقها إليهم فألحت على مجيئهم كان الجميع خائفًا من ردة فعلها حينما تعلم بنبأ استشهادهم فأحضروا دكاترة نفسية ومخدر وإبر تهدئة لأنهم كانوا على يقين أن خبرهم سيكون صدمة كبيرة لها لكن آلاء الصابرة كان رضاها أكبر من أي شيء تقول:" حسيت بشيء مسح على صدري، ما حسيت بفاجعة، حسيت بسكينة وطمأنينة قلت الله يرحمهم الحمدلله إنا لله وإنا إليه راجعون.