بنفسج

وفاء عياش: حين أصابتني الحرب في العزيز

الأحد 08 فبراير

زوجات الشهداء في غزة
زوجات الشهداء في غزة

في الحروب لا يُقتل الناس وحدهم، بل تُصاب البيوت في ذاكرتها، وتُفجع القلوب بما لا يُرى. خلف كل اسم في قوائم الشهداء حكاية حب، وعائلة كانت تحلم، وأطفال ينتظرون عودة لن تأتي، وفاء عياش أصابتها الحرب في مقتل حين خطفت منها رفيق دربها وأنيسها في الفرح والحزن.

في يوم تلقيها خبر استشهاده وقفت تحدق في الفراغ أمامها، وقد سبقها قلبها إلى الحقيقة، كانت على يقين أن الصاروخ الذي سقط لتوه قد استهدف زوجها، فقالت لمن حولها بثبات موجوع: "مصطفى استشهد"، ولم تمض لحظات حتى جاءها الخبر اليقين.

جيء به إليها لتودعه، فاحتسبت وصبرت، وكانت كالجبل الذي لا يميل وهي تضع قبلة الوداع الأخيرة لكن حين انتُزع منها جسده ليوارى الثرى، خانها الجسد، فأُغمي عليها، لتفيق بعد ساعات وهي تدرك أن تلك اللحظة لم تكن وداعًا عابرًا، بل فاصلًا لا عودة بعده.

هنا تستعيد وفاء عياش، زوجة الشهيد مصطفى كلاب، ذكرى تفاصيل الرحيل الذي لم يُمهلها للوداع، وتحكي عن وجع الفقد، وعن رحلة الأمومة لطفلين صغار وحدها، وعن السؤال الذي يلاحقها كل يوم: "أين بابا؟".

يوم الوداع

IMG-20260207-WA0026.jpg

في 16 ديسمبر 2024، اخترق جسد مصطفى كلاب صاروخ غادر بينما كان مع رفاق دربه، تقول زوجته بألم: "قبل استشهاده بأسبوع كانت قد أصابته وعكة صحية، ولم يكن قادرًا على الوقوف، إلا أنه يوم استشهاده استيقظ بوجه منير وكان كالبدر في تمامه، سألني  عند خروجه هل تحتاجين شيئًا؟"، أجبته: "أن تعود لنا بخير". لكنه ذهب وبقي طلبي معلقًا".

تضيف بينما تمسح دمعة خانتها وسقطت: "قبل أن يصلني خبر استشهاده، شعرت أنه رحل شهيدًا كما أراد، وعندما جلبوه عندي لأودعه، كنت خائفة، أسأل لنفسي كيف يمكن لي أن أفعلها، ولكني فعلتها وودعته، وعندما أخذوه ليدفنوه، أُغمي عليَّ من قهري".

لوفاء ومصطفى طفلان خالد، سبعة أعوام وأنس خمسة، منذ رحيل والدهما، صار اسمه سؤالًا لا يهدأ على شفتيهما. يسألان عنه، ويبحثان عنه في تفاصيل اليوم، يعددان ما كان يفعله معهما، ينظران إلى صورهما معه، ويحفظان كل ذكرى، لأن القلب حين يعجز عن الفهم، يتشبث بالذكرى.

رحيل الرجل المحب

IMG-20260206-WA0005.jpg

تدور وفاء بعجلة الذاكرة للوراء يوم أن رأت مصطفى للمرة الأولى، تقول: "وكأنه أعرفه منذ زمن بعيد، وهو كذلك بادلني نفس الشعور، وعشنا معًا ثماني سنوات كانوا من أجمل سنين العمر، أنجبنا فيهما خالد وأنس، ليكونا نعم الأبناء لنا".

في أول يوم بالحرب، انطوت السنوات الماضية لتبدأ أعوام الفراق، تضيف لبنفسج: "استيقظت على ما استيقظ عليه أهل غزة جميعًا، عندها أدركت أن الحرب قد بدأت بكيت، واستودعت زوجي الله، فقد كنت أعرف أين يكون وماذا يفعل، مرّت الأيام ثقيلة بلا خبر عنه، إلى أن جاء اليوم الأول من الهدنة بعد شهر من الحرب، لألتقيه في المدرسة التي نزحت إليها مع عائلتي".


اقرأ أيضًا: موت مرئي وآخر مغيب.. عن 776 جثمان يحتجزه الاحتلال


لم يطل اللقاء، فعادت الحرب وتفرقا من جديد، ثم التقيا مرة أخيرة، ومكثت إلى جانبه، إلى أن ارتقى إلى ربه شهيدًا، قبل استشهاده له موقف ظل عالقًا في ذهن وفاء، تكمل: "قبل استشهاده خرج مصطفى لينهي بعض الأعمال، وجاء وعينيه مثقلة بالدموع اقتربت وسألته عساك بخير، فقال بنبرة باكية: "رأيت سيدة تجلس بجانب قبر ومعها طفلان تبكي، فتخيلتك، فلم أحتمل".

حصل ما كان يخشاه مصطفى ورحل تاركًا وراءه زوجته وطفلين صغيرين، منذ ذلك الحين، صارت وفاء تجيب عن أسئلتهما في غيابه، وتحمل وحدها ثقل الأيام، تفكر وتخطط لمستقبل دون أن يشاركها فيه، ومع ذلك، كانت روحه حاضرة معها، ترافقها في كل خطوة، وتمنحها صبرًا على ألم الفراق.