بنفسج

موت مرئي وآخر مغيب.. عن 776 جثمان يحتجزه الاحتلال

الثلاثاء 03 فبراير

الجثامين المحتجزة لدى الاحتلال
الجثامين المحتجزة لدى الاحتلال

كلّ ما هو محرَّم دوليًا تستبيحه إسرائيل في سبيل تحقيق أهدافها الإجرامية تجاه الفلسطينيين. تمعن في التلذذ بآلامنا ومعاناتنا، وتجنّد كل الوسائل الممكنة لوأد وجودنا وإحلالها استيطانيًا. فهي لا تكتفي بالقتل، بل تمضي إلى مصادرة أجساد الشهداء بعد استشهادهم، واحتجازها في مقابر الأرقام أو ثلاجات الموتى، سواء عقب الاعتقال أو داخل السجون، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.

وأوضحت الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، في بيان لها، أن قوات الاحتلال تواصل احتجاز جثامين 776 شهيدًا موثّقًا كرهائن في مقابر الأرقام وثلاجات الموتى. وأشارت إلى أن من بين الجثامين المحتجزة 96 شهيدًا من الحركة الأسيرة، و77 طفلًا دون الثامنة عشرة، و10 شهيدات، إضافة إلى مئات الشهداء من قطاع غزة الذين احتُجزت جثامينهم خلال حرب الإبادة، دون معلومات دقيقة حول أعدادهم أو ظروف احتجازهم حتى الآن.

كما أدانت الحملة قيام قوات الاحتلال بنبش وانتهاك كرامة أكثر من 250 جثمانًا من مقابر قطاع غزة خلال عدوانها العسكري الأخير، في انتهاك جسيم لحرمة الموتى وحقوق عائلاتهم، ودون أي مبرر قانوني أو إنساني، ما يرقى إلى جريمة حرب تستوجب المساءلة الدولية. في هذا التقرير، نستعرض نماذج من الشخصيات التي لا تزال قوات الاحتلال تحتجز جثامينها.

عدنان البرش

الدكتور عدنان البرش

وُلد الدكتور عدنان أحمد عطية البرش عام 1974 في جباليا شمال قطاع غزة، ويُعد أحد أمهر جراحي العظام في فلسطين. درس الماجستير في العلوم السياسية بجامعة الأزهر في غزة، وحصل على البورد الأردني والزمالة البريطانية في جراحة الكسور المعقّدة من لندن.

خلال العدوان على غزة، تنقّل البرش بين مستشفيات القطاع لتقديم العلاج للمصابين، إلى أن اعتُقل من مستشفى العودة في ديسمبر/كانون الأول 2023، حيث كان يشغل منصب رئيس قسم العظام. آثر البقاء على رأس عمله رغم التهديدات، مؤكدًا: «نموت واقفين ولن نركع».


اقرأ أيضًا: مقابر الأرقام: فلسطينيات يحتجز الاحتلال جثامينهن


تشير تقارير نادي الأسير الفلسطيني وشهادات محامين وأسرى محررين إلى أن الاحتلال تعمّد تعذيبه ونقله بين السجون. وأكدت إحدى الشهادات أن البرش، أثناء احتجازه في معتقل “سديه تيمان”، تُرك عاريًا، وعليه آثار تعذيب جسدي شديد، في ظروف توحي بتعرضه لانتهاكات جسيمة.

أعلنت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني استشهاده في 2 مايو/أيار 2024 في سجن “عوفر”، رغم أن تاريخ استشهاده الفعلي كان في 19 أبريل/نيسان 2024، مع استمرار الاحتلال في احتجاز جثمانه. وأكدت المؤسستان أن ما جرى يمثل عملية اغتيال متعمدة، ضمن سياسة استهداف ممنهجة للأطباء والمنظومة الصحية في غزة.

ميمونة حراحشة

الشهيدة ميمونة حراحشة

في 24 أبريل/نيسان 2024، أطلقت قوات الاحتلال النار مباشرة على رأس الشابة ميمونة عبد الحميد حراحشة (20 عامًا)، قرب دوار بيت عينون شمال الخليل. كانت ميمونة طالبة تمريض في جامعة بوليتكنك فلسطين.

تركتها قوات الاحتلال تنزف على الطريق الالتفافي رقم 60، ومنعت طواقم الإسعاف من الوصول إليها، ثم احتجزت جثمانها. وادعت حينها أنها حاولت تنفيذ عملية طعن، في رواية نفتها الوقائع والشهادات الميدانية.

 داوود الزبيدي

الشهيد دواود الزبيدي

عانت عائلة الزبيدي من فقدان متكرر؛ إذ استشهدت والدته سميرة وشقيقه طه عام 2002 خلال اجتياح مخيم جنين، فيما تعرّض الأبناء للاعتقال والمطاردة. في 15 مايو/أيار 2022، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد الأسير داوود الزبيدي متأثرًا بجراحه التي أصيب بها قبل يومين برصاص الاحتلال في مخيم جنين. نُقل إلى مستشفى داخل أراضي الـ48 بسبب خطورة إصابته، وأُبلغت عائلته بأنه محتجز لدى الاحتلال بحالة صحية حرجة.

خلال وجوده في المستشفى، اقتحم مستوطنون، يتقدمهم عضو الكنيست المتطرف إيتمار بن غفير، المكان احتجاجًا على تقديم العلاج له. الزبيدي أسير محرر قضى عشرة أعوام في السجون، وهو شقيق الأسير زكريا الزبيدي.

خضر عدنان

خضر عدنان

خضر عدنان محمد موسى، قيادي في حركة الجهاد الإسلامي، وأحد أبرز المدافعين عن قضية الأسرى، من بلدة عرابة جنوب جنين. آمن بالإضراب عن الطعام وسيلةً لنيل الحرية، وخاض ستة إضرابات شهيرة احتجاجًا على اعتقاله الإداري دون تهمة أو محاكمة.

في فبراير/شباط 2023، اعتُقل مجددًا، وأعلن فورًا إضرابه عن الطعام، واستمر 87 يومًا في ظروف قاسية من الإهمال الطبي المتعمد، إلى أن استشهد في مايو/أيار 2023. ولا يزال الاحتلال يحتجز جثمانه حتى اليوم.

دلال المغربي

IMG-20260128-WA0036(1).jpg

دلال المغربي، الملقبة بـ«عروس يافا»، مناضلة فلسطينية هجّرت عائلتها إلى مخيم صبرا في بيروت بعد نكبة يافا. قادت عملية “كمال عدوان” عام 1978 للمطالبة بالإفراج عن الأسرى الفلسطينيين. استشهدت مع أفراد مجموعتها، ولا يزال جثمانها محتجزًا في مقابر الأرقام.

وليد دقّة

IMG-20260128-WA0038(1).jpg

وُلد وليد نمر أسعد دقّة عام 1961 في باقة الغربية. اعتُقل عام 1986، وكان من أقدم الأسرى الفلسطينيين، ومن القلائل من فلسطينيي الداخل الذين بقوا في الأسر بعد أوسلو. في 7 أبريل/نيسان 2024، استشهد دقّة في سجون الاحتلال بعد 38 عامًا من الاعتقال، جراء الإهمال الطبي المتعمد إثر إصابته بالسرطان. عُرف بإنتاجه الفكري والأدبي داخل السجن، وتزوّج من سناء سلامة عام 1999، في تجربة استثنائية بالحركة الأسيرة، تُوّجت بإنجاب طفلتهما “ميلاد” عبر نطف مهربة.

تشكل هذه القصص نماذج من سياسة عقاب جماعي ينتهجها الاحتلال بحق الفلسطينيين. فما الغاية من احتجاز جثمانٍ لا حياة فيه، سوى الإمعان في الإذلال والإرهاب؟ في وقت يزعم فيه الاحتلال أن حربه تهدف إلى استعادة أسراه وجثامين قتلاه، بينما يمارس النقيض تمامًا بحق الفلسطينيين.