نتحدث اليوم عن روحٍ تهشّمت، وتشوهت، وانكسرت تحت وطأة حرب إبادة، حربٍ لم نجد فيها راحة، ولم يكن لها أي معنى في حياتنا سوى أنها سرقت منا أعوامًا كاملة، كأنها لم تُحسب في دفتر العمر. سنواتٌ مرّت لا تُختصر في الأرقام، بل في أحلامٍ تحطمت، وطفولةٍ سُحقت، وأمانٍ تبخّر. واليوم، نحاول بصعوبة أن نعيد ترتيب ما تبقّى من تلك الأحلام المبعثرة، وأن نجمع شظايا أرواحٍ أرهقها الانتظار والفقد.
كنا بالأمس صغارًا نبحث عن اللهو واللعب، نركض خلف أشياء بسيطة ونضحك دون خوف، أما اليوم فقد كبرنا قبل أواننا، بأجسادٍ ضئيلة أنهكها الجوع، وبأرواحٍ مثقلة لا تعرف للراحة معنى. أصبحنا نحمل أعمارًا أكبر من أعمارنا، ومسؤولياتٍ لم نخترها. تلك هي غزة؛ التي لم تكن يومًا، ولن تكون، محطةً للاستسلام، بل كانت وستبقى محطة البداية، وبذرة مستقبلٍ أجمل، مستقبلٍ لا يعرف طعم التعب ولا يقبل به قدرًا دائمًا.
نحن نبحث عن أملٍ لم يستقر بعد، وعن روحٍ لم تنطفئ بنار الحرب، وعن أجسادٍ لم تجهز بعد لهذا الحمل الثقيل. وكل ذلك يتطلب عزيمة تُولد من قلبٍ مظلم، عزيمة تشعل فيه نار الحماسة الدائمة.
سنواتٌ ضاعت ونحن نبحث عن الطعام والشراب، عن مأوى آمن، عن لحظة هدوء بلا قصف أو خوف. وها قد حان الوقت للاجتهاد المضاعف، لا لننسى ما مرّ، بل لنسترد كل ما فُقد منا: أجسادًا أُنهكت، وأرواحًا لم يعد فيها طاقة للسير حتى محكمة الحق. دقّت الساعة، وأصبحت بالنسبة لنا كأنها مركبة تسير على طريقٍ سريع؛ لا نراها بأعيننا، لكننا نشعر بثقلها في صدورنا، تسرق الوقت وتدفعنا دفعًا نحو المجهول.
نحن نبحث عن أملٍ لم يستقر بعد، وعن روحٍ لم تنطفئ بنار الحرب، وعن أجسادٍ لم تجهز بعد لهذا الحمل الثقيل. وكل ذلك يتطلب عزيمة تُولد من قلبٍ مظلم، عزيمة تشعل فيه نار الحماسة الدائمة. نصرُنا آتٍ لا ريب فيه، لأنه وعدُ حق، وكلمةٌ أُنزلت من فوق سبع سماوات، نقرأها اليوم وسنظل نقرأها حتى يوم الحشر. نحن متفائلون في كل زمانٍ ومكان، حتى في أحلك المحن، إذ لا شيء أشدّ مرارة مما مررنا به: ذل، وجوع، وعطش، وخوف.
ذلك الخوف لم يتزحزح عن صدورنا حتى اللحظة، وليس خوفًا من الموت، فنحن لا نهابه، بل خوفنا من كيف وأين وبأي طريقة سنموت، فما خفي أعظم. تكحّلت الأعين بالسواد، واسودّت القلوب، وماتت الأرواح من شدّة الخذلان، ولم يتحرك أحد لنجدتنا. ولم نعد نريد نصرًا يُذلّنا أو موقفًا يُساوِم على عزتنا.
اقرأ أيضًا: حقائب مُثقلة بالخَوف: الأطفال بين الحواجزِ والمدرسة
نحن من سنبني، ونحن من سنقلع نحو السحاب. سنزرع أرضنا ونبني بيوتنا بأيدينا الملطخة بدمائنا التي نزفت في حربٍ باردة، وبدموعنا التي حاول الليل مرارًا مواساتها، وبقلوبٍ مشتعلة حاولت الرياح إطفاءها فلم تفلح. سنُعمرها كما كانت، لا نطلب المستحيل، فهدفنا واضح: **أرضنا ستُعمر**. ولو كانت أجسادنا هي من تتلقى الضربات لتحميها، فنحن نضع هذا الهدف أمام أعيننا كأنه غشاء لها.
ما مضى دفنّاه، ولا نريد أن نتذكر منه سوى الأرواح البريئة التي رحلت. سنُعمرها لنُرضيهم، ولنُري العالم أننا لم نخذلهم، وأنهم قد كفَوا ووفَوا، وحان دورنا. شعارنا واضح: **أجسادنا دروع، وأرواحنا تبني، وقلوبنا تدعو**. لا للاستسلام، نعم للاجتهاد، ونعم لبناء مستقبلٍ نراه في عقولنا قبل أن نراه على الأرض. لن يكون حلمًا عابرًا، بل محطة إلهام، وانهيارًا لوهم العالم الأصم، الذي سيكتشف أننا لا نزداد ضعفًا مع الضربات، بل نزداد قوةً كلما اشتدّ تماسكنا.

