ها قد بدأنا بنهايةٍ جديدة… نهايةَ الموتِ المُحتم. نظروا إليك وإلى ضعفك الذي نهش عظامك، وقالوا: وقف إطلاق النار، وقف الدمار، وقف القتل، لكنهم لم يقولوا: وقف الموت من البرد القارس الذي يدخل إلى الخيمة بلا استئذان، من دون أي إنذارٍ سابق، ليخطف روحك من جسدك، ومن قلب خيمتك الموحشة.
يأتي كَلِصٍّ، يسرقك من الدنيا بأكملها، ومن تلك الخيمة التي ليست سوى غطاءٍ هشٍّ لجسدك، جسدٍ عرّته آثار القصف والدمار، وأثقلته رحلة البحث عن الطعام والشراب، جسدٍ أنهكه النزوح، والتنقل، والاستيطان القسري في أماكن لا تصلح للحياة. جسدٌ منهك، روحٌ مطفأة، قلبٌ ميت، وخيمةٌ باردة…هذه هي حال كل إنسانٍ شريف يعيش في القطاع.
انتهت الحرب، لمجرد أن قيلت كلمة: "توقفت وانتهت". لكن الحقيقة أن الألم لم ينتهِ، والمعاناة لم تنتهِ، والموت لم ينتهِ. انتهت، ولن نرى بيوتنا مرةً أخرى. انتهت، ولن نرى أطفالنا وشبابنا وشيوخنا ونساءنا مرةً أخرى.
انتهت الحرب، لمجرد أن قيلت كلمة: "توقفت وانتهت". لكن الحقيقة أن الألم لم ينتهِ، والمعاناة لم تنتهِ، والموت لم ينتهِ. انتهت، ولن نرى بيوتنا مرةً أخرى. انتهت، ولن نرى أطفالنا وشبابنا وشيوخنا ونساءنا مرةً أخرى. انتهت، ولن نرى أرواحنا مشحونةً بالطاقة والفرح. هي مجرد كلمة، لم تغيّر سوى نظرة العالم الجاحد، العالم الحقير، الذي لا يرانا إلا أرقامًا تتناقص مع الزمن؛ كلما مرّ الوقت، مات المزيد من الناس.
ننام ونحن ملتحفون السماء، على أملٍ واهن أن تقيَنا من البرد، بردٌ يجعل عظامنا ترتجف حتى ونحن نغفو، فنحلم بشارعٍ كان يحتضننا، وبيتٍ دافئ، وفراشٍ كان يحمينا من القسوة. كل ذلك صار ماضيًا…والآن مجرد حلم. نستيقظ على قطرات ماءٍ تسقط على وجوهنا، فنستشعر المصيبة قبل اكتمالها.
اقرأ أيضًا: عائد إلى حيفا: الوجع الممتد عبر السنين
إنه المطر الغزير. نشدّ الخيمة، نضيف دعامةً هنا وأخرى هناك، لعلّها تصمد. يحاول المرء أن يمنع الماء من التسرّب، فقط ليحمي أطفاله. وفجأة، تهبّ عاصفةٌ تقتلع الخيمة بمن فيها. تركض، تحمل رضيعك بين جناحيك، تركض حتى تجد أقرب مكانٍ يقيك المطر. هناك، تتذكّر الكلمة التي سمعتها قبل النوم: "الحرب انتهت". تسأل روحك بصمت: كيف انتهت، والبيوت تسقط على رؤوس ساكنيها من وهنها؟
كيف انتهت، وأناس يموتون من البرد، بردٌ لا يمكنك الهروب منه إلى مكانٍ يُسمّى "إنسانيًا"؟ هذا ليس صاروخًا ولا دبابة، هذا بردٌ ينهش روحك، حتى ينتهي بك المطاف إلى قبرٍ يُقال إنه دافئ. أشجارٌ اقتُلعت، أرواحٌ فُقدت، غيومٌ وأعينٌ بكت، قلوبٌ وأجسادٌ نزفت. حالُنا كحال فريسةٍ ضعيفة: إن لم تقتلها الأرض، انقضّ عليها كاسرٌ جارح من السماء. لا مفر، ولا ملجأ، من الهلاك الصامت.

