سبعة شهور ما بين الألم والأمل، عاشتها الصحفية شادية بني شمسة (26 عامًا) من بلدة بيتا جنوب مدينة نابلس، في رحلة علاج من مرض cancer كما تحب أن تسميه. مرحلة تصفها شادية بأنها مزيج من الضعف والقوة، إذ تجمع بين أقصى درجات ضعف الإنسان، وأعظم صور قدرة الخالق. فيها يدرك المرء هشاشته الكاملة أمام الله، ويعيد اكتشاف علاقته به، فيتجدد الإيمان، وتبلغ النفس السكينة والخضوع، ويتيقن القلب أن الدنيا زائلة بكل ما فيها، وأن الثابت حقًا هو ما عند الله.
عُرفت شادية بحضورها العفوي وضحكتها التي لا تفارقها، تزرع التفاؤل أينما حلّت، وتنثر الحب في محيطها، وتصنع البهجة في تفاصيلها اليومية. وهبت نفسها ووقتها بإخلاص لعملها الصحفي، مهنة المتاعب كما يُقال. تعمل مراسلة ميدانية لفضائية العالم، وما تزال على رأس عملها رغم فترات الفتور التي فرضها المرض وآلامه.
بشغف وحب، واصلت شادية عملها، ولامست قضايا الناس عن قرب، لا سيما خلال عام 2022؛ وثّقت وجع الأمهات وقهرهن، ورصدت ابتلاءات الفقد ولحظات الوداع الأخيرة. وعندما عادت بذاكرتها إلى لحظة معرفتها بإصابتها، استحضرت تلك المواقف القاسية، واستمدّت من صبر الأمهات قوةً وطمأنينة.
شعرت آنذاك بلطف الله وكرمه، وكيف هيّأ لها هذا الطريق لتخفيف بعض ثقل الابتلاء، فكانت علاقتها بأمهات وعائلات الشهداء علاقة إنسانية تجاوزت حدود العمل الصحفي، وأسهمت في شدّ أزرها ومساندتها خلال رحلة العلاج.
"حينما باغتني الألم"

تروي شادية عن بداية رحلتها: "قبل عام بدأت آلام في يدي، راجعت أكثر من طبيب، لكن التشخيص كان خاطئًا. ومع اشتداد الألم أجريت صورة طبقية، وكانت مرحلة انتظار النتيجة قاسية ومشحونة بالقلق. في داخلي كان إحساس مبكر بما سأواجهه". وعن لحظة اليقين تقول: "كنت ألعب مع أولاد أخي بالماء، فجاءت ابنة أخي وقالت لي إن جدي يبكي. عندها أدركت حقيقة المرض. ذهبت إلى بيت أخي ورأيت والدي يبكي لأول مرة".
في تلك اللحظة، حمدت الله، وأدركت أن ثباتها أمام عائلتها سيكون مصدر قوتهم في الأيام القادمة. وتقول عن والدها: "أبي قريب من القرآن، روحاني، دائمًا يحاول تقوية إيماني. عندما رأيته في تلك الحالة، ازددت ثباتًا، وحمدت الله على هذا الابتلاء".
في أغسطس/آب 2024 بدأت مرحلة التشخيص بعد مراجعات عديدة، وانتهت رحلة العلاج بإعلان شفائها في 22 يناير من هذا العام. سبعة شهور تعجز الكلمات عن وصفها، مرحلة متعبة ومرهقة بكل المقاييس، لا يدرك ثقلها إلا من خاض تجربة العلاج الكيماوي، كما أن المحيطين بالمريض يعيشون توترًا وقلقًا لا يقل قسوة.
اقرأ أيضًا: آمال الخواجا: بديش ابني خالد يكون مجرد رقم
تلقت شادية علاجها في المجمع الطبي بمدينة رام الله على مدار ستة شهور، شملت اثنتي عشرة جلسة، بواقع جلسة كل أسبوعين. وكانت من أصعب المراحل عليها إبر المناعة، إذ تترك آثارًا جسدية مؤلمة بعد أيام من أخذها. ورغم شدة التعب، واصلت العلاج بدعم عائلتها وطبيبها، وإيمانها بأن مرحلة الشفاء باتت قريبة.
تناوب أفراد العائلة على مرافقتها، وكان لشقيقها الأكبر النصيب الأوفر، ولم تُخفِ حجم الاهتمام والدلال الذي أحاطوها به، بوصفه شكلًا من أشكال الدعم النفسي. عاشت شادية تعبًا جسديًا ونفسيًا كبيرين، لكنها تعاملت مع المرض بوعي، فلم تمنحه مساحة تسيطر على حياتها، ولم تعزل نفسها عن محيطها. منعت الزيارات خلال فترة العلاج، حفاظًا على مناعتها، وحرصًا على الابتعاد عن الطاقات السلبية.
وانتصرت على السرطان

تؤدي العائلة والأصدقاء دورًا محوريًا في دعم المريض، عبر خلق أجواء من الحب والأمل، بعيدًا عن الحزن والتشاؤم. إلى جانب ذلك، يبقى الإيمان والأمل من أهم الأسلحة في مواجهة المرض. التخطيط لما بعد الشفاء، والتعلّق بالأحلام، من أكثر ما يعين على تجاوز المرحلة؛ فالمرض لا يعني نهاية الحياة. وتؤكد شادية أهمية الابتعاد عن الأحاديث المثبطة، واستبدالها بقصص الصبر والأجر، وتوفير بيئة نفسية آمنة للمريض.
الإيمان المطلق بالله، والثقة بأن الابتلاء مرحلة وستمر، كانا ركيزتين خففتا عن شادية كثيرًا. تقول في رسالتها لكل مريض: "أنتم لستم وحدكم، كل ما تمرون به خطوة نحو الشفاء. بصبركم وإرادتكم ستصلون إلى مرحلة تقولون فيها: الحمد لله، هذه مرحلة وانتهت".
اقرأ أيضًا: شريكات الخطر الغائبات عن المشهد… نساء غزة خلف رجال الميدان
تؤمن شادية أن المرض ليس نهاية العمر، كما يُصوّره المجتمع أحيانًا، فالكثيرون تعافوا وعادوا إلى حياتهم الطبيعية وحققوا طموحاتهم. ومع البحث والتأمل، وصلت إلى قناعة راسخة بأن الابتلاء كان علامة محبة إلهية.
تصرّ شادية على العودة بقوة إلى الميدان، ممتنة لزملائها الذين ساندوها ولم يتركوها وحدها. كما تعتزم تقديم محتوى يوثّق تجربتها بكل تفاصيلها، متمنية الشفاء التام لكل مريض.

