في زمنٍ تتهاوى فيه المبادئ وتضيق الأرض بما رحبت وتُفتح أبواب الفقد على مصاريعها، تأتي العشر الأوائل من ذي الحجة كنفحة ربانية تعيد ترتيب القلب، وتنتشل المؤمن من غرق الدنيا إلى سكينة الآخرة. إنها أيامٌ أقسم الله بها ورفع قدرها، وجعل العمل فيها أحبَّ إليه من سائر الأيام، وكأنها رسالة رحمة في قلب المحن، تقول للمنهكين: ما زال الطريق إلى الله مفتوحًا، وما زالت أبواب النجاة مشرعة، مهما اشتد الخراب من حولكم.
وفي زمن الإبادة والحروب، يدرك المؤمن الحقيقة التي طالما غفل عنها الناس وسط صخب الحياة: أن الدنيا أصغر مما نظن، وأهون مما نتقاتل عليه، وأنها فعلًا "لا تعدل عند الله جناح بعوضة". كم من بيتٍ امتلأ بالأحلام ثم صار ركامًا، وكم من إنسانٍ كان يظن أن العمر طويل فإذا به يُحمل على الأكتاف في لحظة.
هنا فقط ينكشف الغطاء، وتظهر الحقيقة عاريةً بلا زينة: لا شيء يبقى إلا ما كان لله. كم من أم مكلومة تدعو الله بتضرع وخشوع في عتمة الليل وجوف سكينته وتقول: رب احم أبنائي، رب ارحم الشهداء منا، رب أعد إلي زوجي سالمًا معافًا... كم من طفل يرفع يديه الصغيرتين قائلًا: اللهم كما أخذت مني قدماي عوضني بعلقي وبصيرتي وأنر قلبي... ورب عجوز تناجي: رب ارحم كبري وحنن علي خلقك وتولني في الصالحين.
وأقبلت خير أيام الدنيا

في وسط هذا الخراب تُقبل خير أيام الدنيا، لا لتزيد المؤمن تعلقًا بالأرض، بل لتعلّمه كيف ينجو منها إلى الله. العشر ليست موسمًا للعبادات فقط، بل موسم مراجعةٍ عميقة للقلب، موسم يسأل فيه الإنسان نفسه: ماذا بقي لي لو سُلب كل شيء؟
هناك من خسر بيته، وهناك من فقد أبناءه، وهناك من دفن أحلام عمره بيديه، لكن المؤمن الحقيقي يدرك أن النجاة ليست في امتلاك الدنيا، بل في ألا تمتلك الدنيا قلبه. لقد كشفت المحن هشاشة كل شيء، فالمناصب تزول، والأموال تتبخر، والوجوه تتغير، لكن العمل الصالح وحده يبقى واقفًا حين يسقط كل شيء. ولهذا كانت العشر فرصةً للعودة الصادقة، فرصةً لأن يخفف الإنسان حمل الدنيا عن روحه، وأن يقف بين يدي الله بقلبٍ أقل ازدحامًا وأكثر صدقًا.
في أزمنة الرخاء يركض الناس خلف الحياة، أما في أزمنة الألم، فإن القلوب المؤمنة تعود إلى حقيقتها الأولى: "وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون”.". وكأن هذه المحن جاءت لتقول لنا: لا تتعلقوا بما يفنى. كم من إنسانٍ كان يظن أن سعادته في بيتٍ أوسع، أو راتبٍ أعلى، أو حياةٍ أكثر رفاهية، ثم اكتشف أن الطمأنينة الحقيقية كانت في سجدة، أو دعوة أم، أو دمعة توبة في جوف الليل. فالدنيا مهما اتسعت، تبقى ضيقةً على قلبٍ بعيدٍ عن الله، والآخرة مهما غابت عن العيون، تبقى أقرب مما نظن.
مدبرًا عن دنيا… مقبلًا على آخرة

في العشر من ذي الحجة، يعود المؤمن إلى المعنى الحقيقي للحياة: أن يكون عبدًا لله قبل أي شيء، وأن يُصلح قلبه قبل أن يُصلح دنياه. أيامٌ يحبها الله، ويقبل فيها المقبلين عليه، حجاجًا ملبين، أو قلوبًا منكّسة بين يديه، ترجوه أن يغفر، ويجبر، ويرحم.
وانصب ميزانًا لقلبك في هذه الأيام، واسأل نفسك بصدق: هل لله في قلبي أكثر مما للدنيا؟ هل أخاف فوات الطاعة كما أخاف فوات الفرص؟ هل ما زلت أؤمن أن النجاة الحقيقية ليست في النجاة من الألم، بل في النجاة من الغفلة؟
ليس المطلوب من الجميع أن يغيّروا العالم، لكن الله لم يغلق باب الخير في وجه أحد. ربما لا تملك إنقاذ وطنٍ كامل، لكنك تملك أن تكون رحمةً في زاوية صغيرة من هذا العالم القاسي. قد تكون النجاة في كلمةٍ طيبة تمنع إنسانًا من الانكسار. وقد تكون في جبر خاطر يتيم أو ستر محتاج أو إحقاق حق أو تعليم طفل أو مواساة أمٍّ أثقلها الفقد. فالأعمال الصغيرة التي يفعلها الصادقون، قد يفتح الله بها أبواب نجاةٍ عظيمة.
أعمال صالحة… واجبات المرحلة

وفي زمن الحروب، تصبح الرحمة عبادة ويصبح الثبات على الأخلاق جهادًا ويصبح حفظ إنسانية القلب من القسوة انتصارًا بحد ذاته. لا تحتقر معروفًا، فربما سبقك إلى الله عملٌ صغير أخلصت فيه النية، بينما أثقلت الدنيا ظهور آخرين بأعمالٍ بلا روح. العشر ليست فقط تسبيحًا وصيامًا، بل هي أيضًا أن تكون إنسانًا أكثر رحمة وأكثر قربًا من الناس وأكثر نفعًا لعباد الله.
في الحروب تثقل أكتاف الأرامل وتضيق الحياة بمن فقدوا السند. لكن الله لم يجعلهم عبئًا على الأمة، بل جعلهم بابًا واسعًا إلى رحمته. تلك الأرملة التي تسهر على أطفالها وحدها، ربما كانت أقرب إلى الله من كثيرٍ من المترفين. وذلك اليتيم الذي مسح الله من قلبه الأمان، جعل في كفالته طريقًا إلى صحبة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في الجنة. إن خدمة المنكسرين ليست عملًا هامشيًا، بل من أعظم القربات في زمن المحن. فالناس اليوم لا يحتاجون خطاباتٍ طويلة بقدر حاجتهم إلى قلوبٍ تشعر بهم، وأيدٍ تمتد إليهم، ورحمةٍ تخفف عنهم قسوة العالم.
اقرأ أيضًا: ماذا تعلمنا غزة اليوم؟ أن الوفاء ديدن الأحرار
ومن أعظم ما يمكن أن يفعله المؤمن في هذه الأيام المباركة أن يبحث عن باب رحمة يفتحه الله له: يتيمٍ يكفله، أو أرملةٍ يعينها، أو جائعٍ يطعمه، أو حزينٍ يربت على قلبه. كن رحيمًا… فالعالم قاسٍ بما يكفي لقد صار العالم متخمًا بالقسوة؛ أخبار موت وصور فقد وقلوب أنهكها الانتظار. ولهذا لم يعد أعظم الناس اليوم أقواهم صوتًا بل أرحمهم قلبًا.
كن رحيمًا في كلامك، في أحكامك، في نظرتك للناس. لا تضف إلى هذا العالم قسوةً جديدة، فالناس يحملون في صدورهم ما لا يظهر على وجوههم. وفي زمن الخراب، لا يبقى لنا إلا القلوب الرحيمة، قوارب نجاةٍ تعبر بالناس نحو الأمان. وما أجمل أن تستقبل خير أيام الدنيا بقلبٍ لين، وروحٍ متواضعة، وعينٍ تبكي من خشية الله، ويدٍ تمتد للخلق بالخير. فربما كانت نجاتك كلها في رحمةٍ منحتها لعبدٍ من عباد الله.

