بنفسج

صناعة الذاكرة: لماذا علينا أن لا ننسى الإبادة؟

الأربعاء 06 مايو

شهداء الإبادة في غزة
شهداء الإبادة في غزة

في سياقات القتل والإبادة لا يكون السؤال الأهم: ماذا حدث؟ بل: ماذا نفعل بما حدث؟ فالذاكرة هنا لا تؤدي وظيفة توثيقية محايدة، بل تتحول إلى فعل أخلاقي وسياسي وثقافي، يحدد موقع الإنسان من ذاته ومن العالم. إن النسيان في هذه الحالة ليس مجرد ضعف إنساني بل خيار له تبعاته، وقد يكون، كما عبّر محمود درويش، خيانة صريحة "النسيان خيانة والذاكرة وطن".  ومن هنا تنبثق الحاجة إلى فهم عميق: لماذا لا ننسى الإبادة؟ ولماذا لا ينبغي أن ننسى؟

التاريخ يكتبه المنتصر

محمود درويش

أولًا، لأن الذاكرة ليست حنينًا، بل شرطًا للوجود. إن استدعاء الشهداء والضحايا لا ينتمي إلى دائرة العاطفة العابرة، بل إلى دائرة الحفاظ على المعنى. حين نتذكر، فإننا لا نعيد الماضي كما هو، بل نعيد تثبيت ملامحنا في وجه محاولات المحو. فالذاكرة، بهذا المعنى، ليست أرشيفًا، بل هوية حية. وهي ما يمنع الإنسان من التحول إلى كائن بلا جذور، أو مجتمع بلا تاريخ. وقد أشار حمزة العقرباوي، إلى أن الذاكرة في سياق الاستعمار ليست ترفًا ثقافيًا، بل أداة بقاء، لأنها تُبقي الضحية حاضرة في الوعي، وتمنع تحويلها إلى مجرد أثر منسي في هوامش التاريخ.

ثانيًا، لأن الرواية جزء من الصراع نفسه. فكما قال باسل الأعرج:  "الرواية سلاح، فاحملها جيدًا".لا تُرتكب الإبادة في الميدان فقط، بل تُستكمل في النصوص وفي الكتب وفي الإعلام حيث يُعاد تعريف الضحية، وتُعاد صياغة الجريمة. صحيح أن المنتصر يكتب التاريخ، لكن هذا لا يعني أن الرواية حكر عليه، بل يعني أن الصراع يمتد إلى من يملك حق السرد.

ومن هنا، فإن كتابة الذاكرة ليست مجرد توثيق، بل فعل مقاومة، يُعيد للضحايا صوتهم، ويمنع أن تُروى حكايتهم بأصوات غيرهم. وفي هذا السياق، ويرى حمزة العقرباوي أن أخطر ما في الإبادة ليس القتل ذاته، بل القدرة على إعادة سرد القتل بوصفه ضرورة أو دفاعًا عن النفس، وهو ما يجعل من الرواية ساحة مواجهة لا تقل أهمية عن أي ساحة أخرى.

النسيان خيانة والذاكرة وطن

حرب الإبادة

ثالثًا، لأن الذاكرة تُبقي الحرية ممكنة. يعبّر إدوارد سعيد عن ذلك بقوله: “الذاكرة هي يوميات الحرية"، فالنسيان، في سياقات القمع، ليس حيادًا، بل شكل من أشكال التكيّف مع الظلم. حين يعتاد الإنسان على الغياب، يفقد حساسيته تجاهه، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة. أما الذاكرة، فتعيد إحياء هذا الحس، وتمنع التطبيع مع المأساة. إنها تُبقي السؤال الأخلاقي مفتوحًا: كيف حدث هذا؟ ولماذا؟ ومن المسؤول؟ وحين نذكر الشهداء، فإننا لا نُحييهم فقط، بل نُبقي الحرية نفسها في حالة يقظة، ونرفض أن يتحول الموت الجماعي إلى خبر عابر.

رابعًا، لأن الأسماء تقاوم العدم. في سياق الإبادة، يُختزل الإنسان إلى رقم، وتُمحى تفاصيله، وتُفقد فردانيته. لكن استعادة الأسماء تعيد للضحايا إنسانيتهم. كما يقول قول منسوب لمدارس التاريخ الإنساني: “الأسماء تحفظ العالم من السقوط في العدم”. فالاسم ليس مجرد علامة لغوية، بل هو حامل لذاكرة كاملة: عائلة، بيت، حكاية، حياة. حين نقول اسمًا، فإننا نعيد بناء عالمٍ كان مهددًا بالزوال. وقد أشار حمزة العقرباوي في أكثر من موضع إلى أن أخطر ما تفعله الإبادة هو تحويل البشر إلى "قضية" مجردة، بينما استعادة الأسماء تعيدهم إلى كونهم أشخاصًا، وتُفشل هذا التجريد القاسي.

خامسًا، لأن التاريخ ليس تسجيلًا للوقائع فقط، بل تفسير لمعناها. يقول المؤرخ إريك هوبسباوم "التاريخ لا يكتب ما حدث فقط، بل ما يعنيه ما حدث”. من هنا، فإن الشهادة لا تنتهي عند لحظة الموت، بل تبدأ منها. يتحول الفرد إلى رمز، والحدث إلى معنى، واللحظة إلى زمن ممتد. إن الإبادة، حين تُفهم في سياقها، تكشف عن بنى أعمق: عنف منظّم، خطاب مبرّر، صمت دولي. ولذلك، فإن استعادة الذاكرة ليست عودة إلى الماضي، بل قراءة للحاضر، واستشراف للمستقبل.

الذاكرة: درع ضد المحو

ذاكرة الشهداء

سادسًا، لأن النسيان يفتح الطريق للتكرار. لقد أظهرت تجارب التاريخ أن المجازر لا تتكرر لأنها ضرورية، بل لأنها ممكنة. وما يجعلها ممكنة هو غياب المحاسبة، وغياب الذاكرة. حين تُمحى الجريمة من الوعي، تُصبح قابلة للإعادة. أما حين تُحفظ، فإنها تتحول إلى شاهد دائم، يذكّر البشرية بحدودها الأخلاقية. في هذا الإطار، يشير حمزة العقرباوي إلى أن الذاكرة لا تعمل فقط كأرشيف، بل كآلية ردع، لأنها تفضح الأنماط المتكررة للعنف، وتمنع إعادة إنتاجها تحت مسميات جديدة.

سابعًا، لأن الذاكرة تعيد للإنسان قدرته على التعاطف. في عالم تتكاثر فيه الصور والمآسي، قد يتحول الألم إلى مشهد عابر. لكن الذاكرة حين تُبنى بعناية تعيد للألم عمقه، وتمنع تسطيحه. إنها تجعل من الضحية إنسانًا يمكن فهمه والشعور به، لا مجرد رقم في إحصائية. وهذا البعد الإنساني هو ما يمنح الذاكرة قوتها الأخلاقية، ويجعلها فعلًا يتجاوز السياسة إلى جوهر الإنسان نفسه.

في المحصلة، لا ننسى الإبادة لأن النسيان ليس خيارًا بريئًا. إنه انحياز ضمني إلى القوة، وتخلٍ عن الضحية، وقبول ضمني بإمكانية تكرار الجريمة. أما الذاكرة، فهي موقف: موقف ضد المحو، وضد التشويه، وضد الصمت. هي فعل مقاومة، وحفظ للهوية، وإعادة تعريف للإنسان.

إن الذين رحلوا لا يعودون، لكن حضورهم في الذاكرة يمنع غيابهم الكامل. وحين نذكرهم، فإننا لا نستعيد الماضي فقط، بل نحمي المستقبل من أن يُعاد إنتاج المأساة ذاتها. ولهذا، تبقى الذاكرة، كما قال درويش، وطنًا، لا يُحتل، ولا يُمحى، ما دام هناك من يرويه. وفي سياق مواجهة النسيان، يقدّم عزمي بشارة طرحًا عميقًا حول ضرورة الكتابة بوصفها فعلًا مقاومًا، لا يقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال الفعل السياسي.

الذاكرة: تحتاج وجوهًا

قصص من غزة

فالكتابة عنده ليست ترفًا ثقافيًا أو توثيقًا محايدًا، بل هي أداة لإنتاج المعنى في مواجهة محاولات المحو. إذ يرى أن الاستعمار لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يسعى إلى السيطرة على السردية أيضًا، من خلال إعادة تعريف الضحية وتجريدها من صوتها، وتحويل الجريمة إلى رواية مبرّرة أو حتى منسية. ومن هنا، تصبح الكتابة فعل استعادة للحق، لا مجرد تسجيل له؛ فهي تعيد ترتيب الوقائع ضمن سياقها الأخلاقي، وتكشف ما يحاول الخطاب المهيمن إخفاءه أو تزييفه.

إن الكتابة، بهذا المعنى، تحمي الذاكرة من التآكل، وتمنع تحويل المأساة إلى حدث عابر، وتُبقي السؤال مفتوحًا أمام الأجيال: ماذا حدث؟ ولماذا؟ ومن المسؤول؟ ولذلك، فإن الامتناع عن الكتابة أو التراخي فيها لا يعني الحياد، بل يفسح المجال لرواية واحدة أن تهيمن، ويجعل النسيان شريكًا غير معلن في استمرار الظلم.


اقرأ أيضًا: يا أبي الأسير.. كبرت وما زالت طفلتك تنتظر حضنك الأول


وفي السياق ذاته، يبرز طرح باسل الأعرج الذي ربط بين المعرفة والمقاومة ربطًا عضويًا، معتبرًا أن الكتابة ليست مجرد فعل ثقافي، بل امتداد مباشر للفعل التحرري. فمقولته الشهيرة: "الرواية سلاح، فاحملها جيدًا"، تختزل فهمًا عميقًا لطبيعة الصراع، حيث لا يُحسم فقط في الميدان، بل أيضًا في اللغة والسرد والمعنى. يرى الأعرج أن من لا يكتب روايته يُترك لغيره ليُكتب عنه، وغالبًا ما تُكتب حينها بصورة مشوّهة تخدم خطاب القوة.

لذلك، فإن الكتابة في مواجهة النسيان ليست خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وجودية، لأنها تحمي الحقيقة من التحريف، وتُبقي الذاكرة حيّة في وجه محاولات الطمس. كما يؤكد أن المعرفة التي لا تنحاز للعدالة تتحول إلى أداة في يد الهيمنة، بينما الكتابة الواعية تعيد الاعتبار للضحايا، وتمنحهم حضورًا دائمًا في الوعي الجمعي. ومن هنا، تصبح الذاكرة المكتوبة شكلًا من أشكال الاستمرار، حيث لا تُهزم الحكاية ما دام هناك من يرويها.