بنفسج

سلوان خاصرة الأقصى: الأقصى تفرغ من أهلها

السبت 25 ابريل

مدينة سلوان
مدينة سلوان

سلوان الحامية الجنوبية للمسجد الأقصى، أكثر الأحياء إلتصاقًا بأسوار البلدة القديمة، مكان استراتيجي مهم يتعرض للتفريغ القسري للفلسطينيين عبر شبكة معقدة من القوانين تهدف في ظاهرها الى التنظيم والتخطيط لكنها في جوهرها تعتبر أداة للسيطرة الديموغرافية على الحي. سلوان اسمٌ يتكرر في أروقة المحاكم في القدس كثيرًا في الآونة الأخيرة بسبب حملة توصف بأنها الأشرس بتاريخ المدينة برمتها، حيث لا يمر أسبوع دون أن تفقد عائلة فلسطينية سقفها في حي سلوان بحجة عدم ترخيص منزلها أو حتى لصالح المشاريع التوراتية.

في حي البستان، الذي يواجه خطر الإزالة الكاملة، لم تعد أوامر الهدم مجرد أوراق رسمية بالمحاكم فقط، بل تحولت إلى واقعٍ يجبر السكان على “الهدم الذاتي”. ففي مطلع شهر نيسان/أبريل 2026، اضطر المقدسي خليل عبد بدران إلى هدم منزله بيديه، لتجنب الغرامات الباهظة التي تفرضها بلدية الاحتلال في حال نفذت هي العملية.

سلوان: حامية الأقصى

IMG-20260425-WA0014.jpg

يقول أحد الناشطين المحليين: “الهدم الذاتي هو قمة القهر الإنساني؛ أن تقتلع بيدك الحجارة التي وضعتها لستر عائلتك، خوفاً من سجون الديون التي تلاحقك بعدها”. وتخطط سلطات الاحتلال لتحويل هذا الحي إلى “حديقة توراتية” (حديقة الملك)، مما يهدد بتهجير أكثر من 1500 نسمة دفعة واحدة.

أما في حي “بطن الهوى”، فالمعركة تأخذ طابعاً قانونياً واستيطانياً معقداً، حيث أن هناك جمعيات استيطانية تدعي ملكية الأرض منذ عقود طويلة، مدعومة بقرارات المحاكم، مما وضع أكثر من 80 عائلة في مواجهة مباشرة مع خطر الإخلاء القسري.

المشهد هناك لم يعد يقتصر على الهدم، بل يشمل “الاستبدال”؛ حيث يتم طرد العائلات المقدسية وإحلال مستوطنين مكانهم تحت حماية قوات الأمن، مما يحوّل الحي إلى بؤر أمنية مشتعلة، إضافة الى تضييق الخناق على من تبقى من السكان.

من الناحية القانونية وطرق تنفيذ قرارات الهدم الذاتي والاستبدال تشير التقارير الحقوقية الأخيرة لعام 2026 إلى تصعيد خطير، حيث أن: أكثر من 200 أسرة في سلوان تواجه حالياً خطر التهجير الوشيك. عشرات المنشآت (سكنية وتجارية) تم هدمها منذ مطلع العام الجاري. مخططات التهويد تستهدف إحاطة البلدة القديمة بحزام من الحدائق والمشاريع الاستيطانية لعزلها عن محيطها الفلسطيني.

سياسة “الخنق” القانوني

IMG-20260425-WA0017.jpg

يرى الخبراء القانونيون أن ما يحدث في سلوان ليس مجرد “تنظيم بناء”، بل هو سياسة “تطهير عرقي صامت”. فبينما يُحرم المقدسي من الحصول على رخص بناء بنسبة رفض تتجاوز 95%، تُمنح التسهيلات والتمويل للجمعيات الاستيطانية للتوسع في عمق الأحياء العربية. أما عن القوانين المجحفة التي تعتمدها المحاكم ويتم استبدال السكان عبرها فهي:   قانون التخطيط والبناء (1965) والتعديلات اللاحقة هذا هو الأداة الأساسية. بموجب هذا القانون، يُعتبر أي بناء لم يحصل على رخصة من بلدية الاحتلال “بناءً غير قانوني” يستوجب الهدم.

أما عقبة التراخيص: تضع السلطات شروطاً تعجيزية أمام المقدسيين للحصول على رخص (مثل إثبات ملكية الأرض المعقد، والتكاليف التي قد تصل إلى مئات آلاف الشواكل). أما تعديل “كامينيتس” (التعديل رقم 116) وهو تعديل خطير يمنح السلطات صلاحيات واسعة لتسريع عمليات الهدم وفرض غرامات باهظة دون الحاجة للجوء إلى المحاكم، مما يقلص من قدرة السكان على الاعتراض.

أما قانون “أملاك الغائبين” (1950) يُستخدم هذا القانون للسيطرة على العقارات التي غادرها أصحابها (أو وُجدوا في مناطق تصنفها إسرائيل كدول “عدوة” أثناء عام 1948). في البلدة القديمة وسلوان، يتم نقل هذه الأملاك إلى “حارس أملاك الغائبين”، والذي بدوره يسربها لجمعيات استيطانية (مثل عطيرت كوهانيم وإلعاد). بعد الاستيلاء، قد يتم هدم أجزاء من العقار أو إعادة ترميمه وتغيير معالمه لصالح المستوطنين.

 سياسة “المناطق الخضراء” والحدائق الوطنية: هذا الالتفاف القانوني لا يستهدف البناء بذاته بل الأرض: يتم تصنيف مساحات واسعة من الأراضي المحيطة بالسور (مثل حي البستان) كـ “مناطق خضراء” أو “حدائق وطنية” يُمنع فيها البناء بتاتاً. قانونياً، يُصبح أي منزل في هذه المنطقة “مخالفاً للمصلحة العامة”، ويصدر أمر بهدمه بحجة الحفاظ على الآثار أو الطبيعة، كما يحدث في مشروع “مدينة داوود” أو “حديقة الملك”.

 قانون “التقادم” وإثبات الملكية: في البلدة القديمة، تعود ملكية العديد من البيوت لعقود أو قرون خلت، وتفتقر لأوراق “الطابو” الحديثة. تستغل السلطات هذا الفراغ القانوني للتشكيك في ملكية السكان، وفي حال عدم قدرة الساكن على إثبات الملكية وفق المعايير الإسرائيلية، يُعتبر “متعدياً” على أملاك الدولة أو أملاك يزعم المستوطنون ملكيتها قبل عام 1948.

الأوامر العسكرية (في حالات خاصة): رغم أن القدس تخضع للقانون المدني الإسرائيلي (بعد ضمها الأحادي)، إلا أن هناك حالات يتم فيها استخدام أوامر عسكرية للهدم بذريعة “الأمن” أو “القرب من جدار الفصل”، وهو ما يحد من قدرة المحاكم المدنية على التدخل.

إذن المعركة القانونية في القدس هي “معركة أوراق” غير متكافئة؛ حيث تُستخدم القوانين الحضرية (التخطيط والجماليات) كستار لعمليات إزاحة جغرافية وسياسية، مما يجعل الحصول على بيت قانوني بالكامل في البلدة القديمة ومحيطها أمراً شبه مستحيل للفلسطينيين.

خنق اقتصادي وعزل مكاني

IMG-20260425-WA0016.jpg

بصمت مطبق من العالم أجمع، وخصوصًا في ظل كل هذه التغيرات الكبيرة والحروب التي تحدث بالمنطقة، تُخاض عمليات التطفيش والإزاحة والاستبدال والهدم والتفريغ في المدينة المقدسة. فأوامر الهدم لم تقتصر على حي سلوان فقط، بل تطال جميع أحياء القدس والبلدة القديمة بحملة مسعورة لم تشهدها المدينة بهذه الكثافة قبلًا.

حيث تُوزع إخطارات الهدم ومراجعة المحاكم يوميًا على السكان هناك، وعندما يطلب المقدسي استئنافًا أو يشرع بالإجراءات القانونية اللازمة لترخيص البيت ودفع الغرامات، تسرع الإجراءات القانونية والمحاكم ليصدر أمر الهدم بسرعة قياسية.

إضافة إلى هذا الواقع، هناك خنق اقتصادي شديد، حيث يُمنع أصحاب المحال التجارية في البلدة القديمة منذ بدء الحرب الحالية مع إيران من فتح محالهم بحجة عدم وجود ملجأ ملائم، أو لأنهم ليسوا من سكان البلدة القديمة فيُمنعون من دخولها. كما يُمنع غير سكان البلدة القديمة من دخولها منذ بدء الحرب الحالية، مما حولها لمدينة أشباح في وضح النهار.


اقرأ أيضًا: حواري القدس: أن تعيش الذاكرة وتكتب الحكاية


إضافة إلى إغلاق المسجد الأقصى منذ بدء الحرب الحالية رغم وجود المصلى المرواني فيه، والذي يعتبر أضخم ملجأ مناسب لسكان البلدة القديمة برمتها. وبتمييز عنصري واضح، فالمحال والمجمعات التجارية الملاصقة للبلدة القديمة والتي أصحابها من اليهود كمجمع مجمّع ماميلا ومحال شارع يافا مكتظة بالناس والمارة والتجار.

معارك تفريغ يومية يعاني منها الانسان المقدسي، الهدم ليس أولها ولن يكون آخرها. فكان الله بعون المرابطين في القدس الذين يخوضون حربًا باهظة التكاليف يوميًا، ولا أحد يسلط الضوء على معاناتهم اليومية وواقعهم المرير.