في مشهدٍ يجسد واقعًا أليمًا يعيشه الفلسطينيون منذ سبعة عقود عجاف، أبصر “وطن” نور الحياة ووالده في سجون الاحتلال، ليكبر على تكرار مشهد اقتحام قوات الاحتلال لمنزلهم في بلدة قباطية جنوب جنين، واعتقال والده المختص في شؤون الأسرى، الأستاذ ثامر سباعنة. لم تكن طفولة وطن اعتيادية، بل تشكّلت ملامحها بين الخوف والانتظار، وبين طرقات الأبواب العنيفة وصوت الجنود الذي بات جزءًا من ذاكرته اليومية.
وما إن شارف وطن على خوض تجربة جديدة في التعليم، وانتسابه إلى كلية يبوس التطبيقية، حتى باغته الاحتلال باعتقالٍ جديد. ففي منتصف شهر سبتمبر من العام الماضي، اقتحمت قوة كبيرة المنزل، وأخضعت أفراد العائلة لتحقيق ميداني قاسٍ، قبل أن تقتاد وطن إلى الجيب العسكري. في اليوم ذاته، صدر بحقه حكم بالسجن الإداري لمدة ستة شهور، وفق ما أفادت به والدته، ليُحرم بذلك من الالتحاق بزملائه ومواصلة مسيرته التعليمية التي طالما سعى إليها.
اعتقال وطن ابن الأسير

ومع انتهاء مدة الاعتقال الإداري الأولى، لم يكن الفرج بانتظاره، إذ أعاد الاحتلال إصدار حكم إداري جديد لمدة ستة شهور إضافية، ليبقى وطن قابعًا في سجن مجدو، رهين قرارات تعسفية لا تستند إلى تهم واضحة أو محاكمة عادلة. تفتقد السيدة فاطمة نجلها البكر وطن، الذي كان سندًا وعونًا لها خلال سنوات اعتقال زوجها.
فقد حمل عبء الأسرة على عاتقه، وقام مقام والده، وكان مثالًا للأخ الحنون على شقيقيه وأخته. غيابه لم يترك فراغًا عاطفيًا فحسب، بل زاد من ثقل المسؤوليات التي باتت الأم تواجهها وحدها. وتشير العائلة إلى أن آخر زيارة تمكن فيها المحامي من لقاء وطن والاطمئنان عليه كانت في أواخر شهر نوفمبر/تشرين الثاني، قبل أن تمنع سلطات الاحتلال زيارات المحامين للأسرى. ومنذ ذلك الحين، لم تصلهم سوى أخبار شحيحة عبر أسرى محررين، أفادوا بأن وطن فقد نحو 20 كيلوغرامًا من وزنه، شأنه شأن العديد من الأسرى الذين يعانون من سياسات التجويع والتنكيل، في إطار محاولات ممنهجة لكسر إرادتهم.
تعيش العائلة حالة من القلق والخوف الشديدين، مترقبة أي خبر عن وطن، خاصة أن هذا الاعتقال هو الأول له، وقد جاء في مرحلة توصف بأنها من الأصعب في تاريخ الحركة الأسيرة. وتعبّر والدته عن وجعها بقولها: “نعتصر ألمًا كعائلة جربت مرارة الأسر مرارًا وتكرارًا، وما يتعرض له وطن وإخوانه الأسرى هو إعدام بطيء، خاصة بعد الإعلان عن قانون إعدام الأسرى على مرأى ومسمع العالم، الذي لا يحرك ساكنًا تجاه قضيتهم”.
تعذيب وإهمال للمعتقلين

وتطالب السيدة فاطمة بضرورة وقف هذا القانون، وتشدد على أهمية استمرار تفعيل قضية الأسرى وإبقائها حاضرة في الوعي، محليًا ودوليًا، وضمان حقوقهم الإنسانية التي تكفلها القوانين الدولية. لم تكن معاناة وطن مقتصرة على الاعتقال، بل سبق ذلك سلسلة من الانتهاكات التي طالت مسيرته التعليمية. فقد حُرم خلال مرحلة الثانوية العامة من تقديم الامتحانات التجريبية، بعد أن اختطفته أجهزة أمن السلطة الفلسطينية لمدة 55 يومًا، رغم أنه كان على بُعد 28 يومًا فقط من بدء الامتحانات الوزارية. وبعد الإفراج عنه، تمكن من التقدم للامتحانات، ونجح بعد استدراك مادة الجغرافيا في الدورة الثانية، في صورة تعكس إصراره رغم كل الظروف.
وفي حادثة أخرى، اعتقل الاحتلال وطن ليلة تقديم أول امتحان وزاري له، برفقة والده، خلال اقتحام بلدة قباطية. بقي معصوب العينين ومقيد اليدين لمدة 17 ساعة، قبل أن يُفرج عنه صباح يوم الامتحان، ليتوجه مباشرة في تمام الساعة التاسعة لأداء اختبار التربية الإسلامية، في مشهد يلخص حجم التحدي الذي يواجهه الطلبة الفلسطينيون.
عز الدين: تجديد الاعتقال الإداري

وفي سياق متصل، تتكرر ذات المعاناة مع طلبة جامعيين آخرين، في سياسة تبدو ممنهجة لاستهداف التعليم وضرب وعي الشباب. فالأسير عز الدين محمود أبو معلا، من بلدة قباطية، كان قد أمضى ثلاث سنوات في دراسته الجامعية، قبل أن يعتقله الاحتلال أثناء عودته إلى منزله قبل نحو ثلاث سنوات، ليحول دون إكمال سنته الأخيرة.
ومع اقتراب انتهاء مدة اعتقاله الإداري، يعمد الاحتلال إلى تجديدها بشكل متكرر، حتى تجاوزت مدة اعتقاله ثلاث سنوات، رغم صدور قرار “جوهري” يقضي بالاكتفاء بالمدة والإفراج عنه. إلا أن سلطات الاحتلال تنصلت من القرار، وأبقت على اعتقاله، في انتهاك واضح لمبادئ العدالة. تعيش عائلة عز الدين حالة من القلق والتوتر المستمرين، خاصة في ظل محاولات الاحتلال التأثير على حالته النفسية، عبر تسريب معلومات مضللة حول فقدان أحد أفراد عائلته، في محاولة لكسر معنوياته داخل الأسر.
اقرأ أيضًا: أمينة الطويل: الأم وجنينها قيد الاعتقال
وكغيرها من أمهات الأسرى، تترقب الدكتورة سناء زكارنة، الأكاديمية والمحللة المتخصصة في السياسات والعلاقات الدولية، أي خبر عن نجلها المعتقل في سجن النقب الصحراوي، والذي انقطعت أخباره منذ منع المحامين من زيارة الأسرى بحجة “الوضع الأمني”.
وتقول الأم سناء: “نعيش كل يوم حالة من الخوف من القمع والتجويع والضرب، ونعيش ترقبًا مرعبًا، ومع كل قرار يخص الأسرى نشعر وكأنه خنجر يخترق قلوبنا، ويسرق لحظات الراحة من حياتنا، ويمنع النوم عن أعيننا”. ورغم كل ذلك، تتسلح العائلة بإيمانها العميق، الذي يمنحها القدرة على الصبر والثبات، ويغرس في نفوسها يقينًا بأن الفرج آتٍ، وأن فجرًا جديدًا سيبزغ مهما طال الظلام.
وكان عز الدين قد سبق واعتُقل سابقًا، وأمضى ثلاث سنوات في سجون الاحتلال، في تجربة تتكرر وتثقل كاهل العائلات الفلسطينية. من جهتها، تستثمر الدكتورة سناء كل منبر متاح للحديث عن قضية الأسرى، وتسليط الضوء على معاناتهم، محذرة من خطورة استفراد إدارة السجون بهم، خاصة في ظل ما تشهده المرحلة من تصعيد، ومنددة بقرار إعدام الأسرى، الذي تعتبره انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وحقوق الإنسان، ويضاعف من معاناة الأسرى وعائلاتهم.

