بنفسج

يا أمة الجسد الواحد: أم وجنينها في زنازين الاحتلال

الأحد 12 ابريل

الأسيرة أمينة الطويل
الأسيرة أمينة الطويل

ليست هذه حكاية عابرة تُروى ثم تُنسى، بل جرحٌ مفتوح في خاصرة العدالة، واختبارٌ صريح لمدى يقظة الأمة تجاه نسائها الأسيرات، اللواتي يدفعن أثمانًا مضاعفة أمومةً تُنتزع، وأجسادًا تُستنزف، وحقوقًا تُنتهك تحت سقف القانون الدولي الذي يَصمت حين يجب أن يتكلم. في قلب هذه المأساة، تقف الأسيرة أمينة الطويل، لا بوصفها رقمًا في سجل الاعتقال، بل أمًا لأربعة أطفال، اقتُلعت من حضنهم قبل العيد بساعات، تاركة خلفها أسئلةً دامية لا تجد جوابًا: من يمسح دموعهم؟ ومن يعوّض غيابها الذي لا يُعوّض؟ إنها ليست حالة فردية، بل نموذجٌ صارخ لمعاناة مئات الأسيرات الفلسطينيات، ومن بينهن الحوامل والأمهات، اللواتي يُواجهن الاعتقال في ظروفٍ قاسية تفتقر إلى الحد الأدنى من الرعاية الإنسانية.

أيّتها الأمة، إن واجبكِ اليوم ليس ترفًا أخلاقيًا، بل مسؤولية تاريخية وقانونية. فحين تُعتقل أمّ، لا يُعتقل جسدها فقط، بل تُصاب بنية الأسرة بالانكسار، ويتحوّل الأطفال إلى ضحايا صامتين. تشير تقارير حقوقية إلى أن عشرات الأطفال الفلسطينيين يعيشون تجربة الفقد القسري لأمهاتهم داخل السجون، وهو ما يترك آثارًا نفسية عميقة تمتد لسنوات، من القلق المزمن إلى اضطرابات السلوك وفقدان الإحساس بالأمان.

إن الصمت في هذه اللحظة تواطؤ، والتأجيل تقصير. المطلوب موقفٌ واضح: ضغطٌ سياسي وقانوني لوقف اعتقال الأمهات، تحريك ملفاتهن أمام المحاكم الدولية، وتفعيل الأدوات التي كفلها القانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقيات جنيف التي تضمن حماية خاصة للنساء، خصوصًا الحوامل والأمهات.

اعتقال قبل العيد بيومين

IMG-20260411-WA0034.jpg

مدجّجون بالسلاح، في عيونهم تُرى الكراهية والإجرام، يقتحمون المكان وسط صراخٍ حادّ وخطواتٍ عنيفة تهزّ سكون الليل. مشهدٌ يتكرر يوميًا في حياة العائلات الفلسطينية، لا سيما في ساعات الفجر الأولى، حين يتحوّل الليل إلى ساحة رعب لتنفيذ عمليات اعتقال أو تحقيق.  كخفافيش الليل، اقتحم نحو ثلاثين جنديًا من قوات الاحتلال، برفقة ضابط مخابرات، منزل عائلة الأسير المحرر علي شواهنة، في بلدة كفر ثلث، قضاء مدينة قلقيلية. كانت الساعة تشير إلى الثانية والنصف فجرًا، في الثامن عشر من آذار/مارس الماضي، بينما كانت العائلة تغطّ في نومٍ عميق، لتستيقظ مفزوعة على أصوات الاقتحام العنيف وصراخ الجنود.

في لحظاتٍ خاطفة، انتشر الجنود في أرجاء المنزل، وشرعوا في تفتيشه بطريقة همجية، عبثوا بمحتوياته وخربوها، وسط صراخٍ متواصل بلا مبرر، في مشهدٍ لا يعكس إلا إرهابًا متعمدًا، وحقدًا مكشوفًا، وإصرارًا على الإمعان في الإجرام. كل ذلك جرى أمام أعين أطفالٍ صغار، لا يتجاوز عمر أكبرهم ثمانية أعوام، ارتسم الخوف على وجوههم، وتسلل الرعب إلى قلوبهم الغضة.

استمر الاقتحام قرابة ساعة، تخللته تهديدات ووعيد، قبل أن تتكشف الصدمة الكبرى: قرار اعتقال ربة الأسرة، أمينة الطويل. في لحظةٍ واحدة، انقلب المشهد إلى بكاءٍ هستيري، وتوسلاتٍ متقطعة من أطفالها الأربعة، يرجون الجنود ألا يأخذوا أمهم.


اقرأ أيضًا: مقصلة "القانون" والأسرى: الامتحان الأخلاقيّ الأخير


ركض الأطفال نحو حضنها، تشبثوا بثيابها التي ابتلت بدموعهم، وكأنهم يحاولون تثبيت الزمن عند تلك اللحظة. ضمتهم أمينة إلى صدرها، استنشقت رائحتهم بلهفة، وطبعت على وجوههم عشرات القبلات. حاولت أن تحبس دموعها، وأن تبدو قوية، أن تطمئنهم بأنها ستعود قريبًا، لكن قلبها كان يتمزق تحت وطأة القهر. كيف لها أن تترك أطفالها في هذا المشهد القاسي؟

غير أن الجنود لم يتركوا لتلك اللحظة الإنسانية أن تكتمل، فانتزعوها من بين أذرع أطفالها بالقوة، واقتادوها إلى جيب الاعتقال، وسط صراخٍ وبكاءٍ لم يجدِ نفعًا أمام قسوةٍ لا تعرف الرحمة. فهي أمينة شاهر محمد الطويل، 36 عامًا، من قرية فرعتا قضاء قلقيلية، حاصلة على بكالوريوس في الرياضيات، ودبلوم في شؤون اللاجئين، ودبلوم في القضية الفلسطينية.

أم معتقلة

IMG-20260411-WA0033.jpg

مكرهةً، وتحت التهديد، تركت أمينة أطفالها في رعاية الله، وزوجها ومحبيها. أما أطفالها، فلم تجف دموعهم. ناموا تلك الليلة على أمل أن تعود أمهم مع الصباح، لكن الصباح جاء خاليًا منها، بقرارٍ من الاحتلال. وجاء الاعتقال قبل يومين فقط من عيد الفطر، ليضاعف من حجم الفاجعة. كانت العائلة قد بدأت التحضيرات للعيد، تخطط للخروج إلى السوق، وشراء الملابس، ومشاركة فرحةٍ طال انتظارها. لكن القرار المفاجئ اعتقال أمينة هدم كل تلك الأحلام، وحوّل العيد إلى غصةٍ في صدور أطفالها.

في البداية، لم تتوقع العائلة أن تكون أمينة هدف الاقتحام. فقد داهم الاحتلال المنزل قبل عشرة أيام، وهدد الزوج علي شواهنة، وهو أسير محرر أُفرج عنه قبل ستة أشهر، بعد اعتقال إداري دام عامين. لذلك، ظنّ الجميع أن الاقتحام الجديد يستهدف إعادة اعتقاله، لكن الصدمة كانت باعتقال زوجته بدلًا منه.

ترك اعتقال أمينة أثرًا بالغًا في نفوس أطفالها، الذين تحوّل العيد لديهم من مناسبةٍ للفرح إلى حالةٍ من القهر والبكاء والانتظار. لم تغب عن ألسنتهم الأسئلة: "متى بترجع ماما؟". ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها العائلة، خاصة بعد قطع راتب علي منذ أكثر من عام، فإنها كانت تعيش حالة من الفرح بعودة الأب إلى المنزل، واستعدادًا لاستقبال العيد في أجواء عائلية دافئة، عوضًا عن سنوات الحرمان السابقة. لكن هذا الفرح لم يدم طويلًا، إذ تبدد فجأة، ليحل محله حزنٌ ثقيل.

الأب في مواجهة مسؤولية جديدة

IMG-20260411-WA0029.jpg

لا شك أن الأم قادرة، في كثير من الأحيان، على تعويض غياب الأب، رغم المشقة، لكن غياب الأم يخلق فراغًا لا يُملأ. فالأم ليست مجرد دور يمكن استبداله، بل هي الحنان، والتفاصيل اليومية، والملاذ الأول للأطفال. ومع اعتقالها، يصبح البيت مكانًا ناقصًا، والحياة أكثر قسوة. هذا ما يعيشه أطفال أمينة اليوم، وخاصة صغيرتهم أبرار، ذات الثلاثة أعوام، التي لم يتوقف لسانها عن ترديد: "بدي ماما، متى بدها تيجي؟"

لا تزال تظن أن أمها ذهبت لتشتري لها فستان العيد. أما إخوتها، فيبكون فجأة دون سبب ظاهر، لأن غياب أمهم حاضر في كل زاوية من حياتهم، في الطعام، والنوم، والحديث، وحتى في الصمت. قبل تسع سنوات ونصف، تزوجت أمينة الطويل من علي شواهنة، بعد أن قضى 14 عامًا في سجون الاحتلال. أنجبا أربعة أطفال: إيلياء (8 سنوات)، آيسل (7 سنوات)، البراء (6 سنوات)، وأبرار (3 سنوات).

لكن نصف سنوات زواجهما تقريبًا قضاها علي في الاعتقال، بين سجون الاحتلال والاعتقال الإداري، إضافة إلى عامٍ قضاه في سجون السلطة الفلسطينية. أما اليوم، فالعائلة لا تملك الكثير من المعلومات عن أمينة، سوى أنها محتجزة في مركز تحقيق الجلمة، وممنوعة من لقاء محاميها، وقد تم تمديد التحقيق معها حتى نهاية الشهر.

وقد وجّهت العائلة نداءً عاجلًا إلى المؤسسات المعنية بشؤون الأسرى وحقوق الإنسان، مطالبةً بالتدخل للإفراج عنها، خاصة في ظل المخاوف المتزايدة على وضعها الصحي، إذ كانت تعاني من المرض وقت اعتقالها. وفي ظل ما يتعرض له الأسرى من ظروف قاسية، تشمل التنكيل والقمع والتجويع، تتضاعف مخاوف العائلة على حياتها وسلامتها.

أما نساء الأمة، فأمامهن دورٌ يتجاوز التعاطف إلى الفعل. إن قضية الأسيرات ليست شأنًا فلسطينيًا فحسب، بل قضية كل امرأة ترى في الأمومة حقًا مقدسًا لا يجوز انتهاكه. الوعي هنا ليس مجرد معرفة، بل التزام: أن تتحول قصص هؤلاء الأسيرات إلى خطابٍ يومي، إلى حضورٍ دائم في الإعلام، في التعليم، في الفضاء العام. فالأمم التي تُدافع عن نسائها، تُدافع عن مستقبلها.

وأما المؤسسات الحقوقية والقانونية، فإن الاختبار الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل هذه القصص إلى ملفات قانونية ضاغطة. المطلوب ليس بيانات إدانة عابرة، بل توثيق مهني دقيق، وملاحقة قانونية مستمرة، وتدويل للقضية يضع الاحتلال أمام مساءلة حقيقية. فكل يوم تأخير يعني انتهاكًا جديدًا، وكل صمتٍ يفتح الباب لمزيد من الجرائم.

إن ما تتركه هذه القضايا في وعي الأمة يجب أن يكون أعمق من الحزن؛ يجب أن يتحول إلى وعيٍ مقاوم، يُدرك أن كرامة المرأة الأسيرة من كرامة الأمة نفسها، وأن الدفاع عنها ليس خيارًا، بل واجب لا يحتمل التأجيل. هذه الرسالة ليست دعوة للبكاء على الألم، بل نداءٌ للفعل. فهل تستجيب الأمة… أم تترك أمينة وأمثالها وحدهن في مواجهة العتمة؟