بنفسج

"ما في سجن إلا زرته": أم الأسيرين شادي وأحمد سوقية

السبت 11 ابريل

أمهات الأسرى
أمهات الأسرى

عقدان من الزمن مضيا، وما تزال أمّ الأسير شادي سوقية، من مخيم جنين، تقف على عتبة منزلها مترقبة عودته، تستقبل الأيام بعيونٍ معلّقة بالأفق، حيث رسمت ملامح حريته في خيالها مرارًا، وعاشت تفاصيل لقائه كما لو أنه سيحدث في أية لحظة. تتسلّح بالصبر، وتغذّي روحها بالأمل، بينما ينهشها الشوق في غياب ابنها المحكوم بالسجن ثلاثين عامًا.

أربعة وعشرون عامًا مرّت، ثقيلة كمرارة الانتظار، بل أشدّ وقعًا، ومع كل بارقة أمل بإفراجٍ قريب عن الأسرى، كانت تبحث عن اسم شادي بين القوائم، علّ القدر يكتب له الحرية. لكن مشيئة الله شاءت أن يبقى أسيرًا، وقد بلغ اليوم الثانية والأربعين من عمره، حبيس جدران صمّاء، تُديرها منظومة لا تعرف رحمة، ولا تقيم وزنًا لإنسانية الأسرى. ورغم قتامة المشهد، ظل شادي متكئًا على فسحة الأمل، متشبثًا بإيمانه، مؤمنًا أن الفرج آتٍ لا محالة.

24 عامًا مضت: وهن على وهن

IMG-20260409-WA0034.jpg

تقول أم شادي: "ما في سجن إلا وزرته، كانت الزيارة صعبة ومليانة ذل وإهانة لأهل الأسير، لكن كل شيء بيهون كرمال نشوف أولادنا، حتى لو كانت من خلف الزجاج والشبك". كلمات تختصر وجع أمٍّ اختبرت كل أشكال الحرمان، ولم تفقد رغم ذلك رغبتها في رؤية ابنها، ولو للحظات عابرة.

تسترسل في حديثها عن اشتياقها لاحتضان ابنها، أو حتى لقائه وجهًا لوجه، بعد أن حُرمت من زيارته منذ أكثر من عامين، شأنها شأن آلاف العائلات الفلسطينية التي طالتها سياسات العقاب الجماعي. هذا الحرمان لا يقتصر على الجدران والسجون، بل يمتد ليطوّق القلوب، ويحوّل الانتظار إلى معاناة يومية مفتوحة.


اقرأ أيضًا: مشانق معلقة في صدور الأمهات: الأسيرة المحررة وأم الأسيرين


في المقابل، واصلت سلطات الاحتلال تقويض ما حققه الأسرى من إنجازات انتزعوها عبر سنوات طويلة من النضال، متعمّدة التضييق عليهم، وتعريضهم لأقسى أشكال التنكيل والتجويع، في محاولة لكسر إرادتهم، بل والسعي إلى تصفية وجودهم داخل السجون. وقد كشفت الحرب الأخيرة على قطاع غزة عن تصعيد خطير في هذه السياسات، حيث ازداد استفراد الاحتلال بالأسرى، وتصاعدت الانتهاكات بحقهم، في ظل صمت دولي مريب، بينما بلغ عدد الأسرى الفلسطينيين قرابة 9500 أسير حتى بداية آذار/مارس 2026.

اعتقال الابن الأول فالثاني

IMG-20260409-WA0035.jpg

اعتُقل شادي سوقية بعد مطاردة استمرت أكثر من عام، خضع خلالها لتحقيق قاسٍ امتد لأشهر طويلة، قبل أن تستمر محاكمته ثلاث سنوات، انتهت بحكم جائر بالسجن ثلاثين عامًا، صادر عن محكمة الاحتلال في سالم، بتهمة الانتماء إلى فصائل المقاومة والمشاركة في عمليات ضد قوات الاحتلال.

تنقّل شادي بين عدة سجون خلال سنوات اعتقاله، وتعرض لعقوبات متعددة، من حرمان الزيارة إلى العزل الانفرادي، في سياسة ممنهجة تستهدف كسر الأسرى نفسيًا وجسديًا. غير أن هذه الإجراءات لم تزد عائلته إلا تمسكًا به، وإصرارًا على انتظار حريته.

لم تتوقف معاناة أم شادي عند هذا الحد، إذ امتد الألم ليشمل ابنها الثاني أحمد عبد اللطيف، الذي اعتُقل لأول مرة وهو في السابعة عشرة من عمره، ليصبح الاعتقال جزءًا متكررًا من حياته. واليوم، يقبع أحمد، البالغ ثلاثين عامًا، تحت الاعتقال الإداري منذ منتصف عام 2024، حيث تتحول حريته إلى موعد مؤجل باستمرار، مع تجديد أمر اعتقاله كلما شارف على الانتهاء، في حلقة مفرغة من القهر.

عذابات لم تبدأ بقانون الإعدام

IMG-20260409-WA0036.jpg

ومع قرار الاحتلال منع زيارات المحامين، تتضاعف مخاوف الأم على مصير نجليها، في ظل ما يصلها من أخبار عن سوء الأوضاع داخل السجون، من تعذيب وتجويع وإهمال. تقول بحسرة إنها لا تعرف عنهما إلا أنهما فقدا الكثير من وزنهما، وأن أحمد محتجز في سجن ريمون، بينما يقبع شادي في سجن النقب الصحراوي.

وتعبّر أم شادي عن ألم إضافي أصابها، تمثل في قطع رواتب نجليها الأسيرين، متسائلة بمرارة: "هكذا يُكافأ أسرانا؟ الذين ضحّوا بشبابهم دفاعًا عن كرامة شعبهم؟". أما الصدمة الأكبر، فكانت مع إقرار الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون إعدام الأسرى، وهو ما وقع على قلبها كالصاعقة. لم ترَ في هذا القرار سوى تهديد مباشر لحياة أبنائها وآلاف الأسرى، مطالبة المؤسسات الحقوقية والإنسانية بالتحرك العاجل لوقف هذه السياسات، والضغط على الاحتلال للالتزام بالقوانين الدولية.

وفي خضم هذا الألم المتراكم، لا تطلب أم شادي أكثر من حق بسيط: أن يجمعها القدر بابنيها قبل أن يسرقها العمر، وأن تعيش لحظة احتضانهما بعد سنوات الفقد الطويلة. فكم من الآباء والأمهات رحلوا، وغصة الفراق في قلوبهم، دون أن يروا أبناءهم أحرارًا؟ إنها حكاية انتظار لا تنتهي، تختصر وجع شعب بأكمله، حيث تتحول الأيام إلى أعوام، والأعوام إلى عمرٍ كامل، يُقضى على عتبات الأمل.