بقلقٍ بالغ، تتابع أم منير سلامة، من مخيم جنين، الأخبار المتعلقة بالأسرى، تلتقطها كما لو كانت خيوط نجاةٍ واهية، علّها تحمل بين سطورها ما يطمئن قلبها على نجليها الأسيرين، منير ونور الدين. غير أنّ الأخبار تأتي مبتورة، شحيحة، ومرتبكة، في ظلّ منع الاحتلال زيارات المحامين، وفرض عزلٍ كامل على الأسرى، وكأنهم أُخرجوا قسرًا من هذا العالم، ليُترك ذووهم في مواجهة القلق والانتظار.
منذ عامين، تعيش أم منير حالةً مستمرة من الخوف، لا تعرف لها انقطاعًا، في ظل السياسات الانتقامية التي تنتهجها إدارة السجون بحق آلاف الأسرى، من قمعٍ وتعذيبٍ وتجويع، إلى الإهمال الطبي المتعمد، الذي يصفه الفلسطينيون بـ”القتل البطيء”. وفي كل يوم يمرّ، يتعاظم هذا الخوف، ويتحوّل إلى هاجسٍ ثقيل يلازم تفاصيل حياتها، ويقضّ مضجعها.
أم الأسيرين والأسيرة المحررة

قبل نحو ثمانيةٍ وعشرين شهرًا، اعتقلت قوات الاحتلال الشقيقين منير ونور الدين سلامة، ومنذ ذلك الحين، لا يزالان موقوفين بانتظار المحاكمة، في مشهدٍ يعكس طبيعة الاعتقال المفتوح، الذي يسرق من الأسرى أعمارهم، ومن عائلاتهم طمأنينتهم.
بحسرةٍ عميقة، تقول الوالدة، التي يناديها البعض “أم أمير”، إن آخر معلومة وصلتها عن نجليها كانت قبل ثلاثة أشهر، عبر أسرى محررين. حينها، علمت أن منير، المعتقل في سجن جلبوع، أُصيب بمرض “السكابيوس”، إلى جانب إصابة في قدمه، وأنه فقد 59 كيلوغرامًا من وزنه. أرقامٌ ثقيلة، لا تعبّر فقط عن تدهور صحي، بل عن معاناةٍ مركّبة يعيشها الأسرى داخل الزنازين. وتشير الأم بمرارة إلى أن ما تقدمه إدارة السجون لا يتعدى “حبّة الأكمول السحرية” لكل الأمراض، في سياسةٍ ممنهجة من الإهمال الطبي، تُفضي في كثير من الأحيان إلى موتٍ بطيء.
اقرأ أيضًا: قانون إعدام الأسرى: الخبر الذي يقتل مرتين
لم تكن هذه التجربة الأولى لمنير مع الاعتقال؛ فقد سبق أن اعتُقل وهو في السابعة عشرة من عمره. لكن، كما تقول والدته، فإن الاعتقال خلال فترة حرب الإبادة التي شنّها الاحتلال على قطاع غزة، شكّل المرحلة الأكثر قسوة في تاريخ الحركة الأسيرة، نظرًا لما رافقها من ممارسات وصفتها بـ”النازية”، من حيث فظاعتها وانتهاكها الصارخ لكل القوانين الدولية والإنسانية.
لا خبر إلا ممن ينجو

ولم يكتفِ الاحتلال بكسر قلب الأم عبر اعتقال نجليها، بل مضى أبعد من ذلك، حين أقدم على اعتقالها بعد عشرين يومًا فقط من اعتقالهما، وحُكم عليها بالسجن لمدة ستة أشهر، إضافة إلى غرامة مالية قدرها ثلاثة آلاف شيقل. تجربة السجن، كما تروي، كانت قاسية بكل المقاييس؛ فقد عاشت الأسيرات في سجن الدامون ظروفًا معيشية سيئة وغير إنسانية، من نقصٍ حاد في الاحتياجات الأساسية، وانعدام وسائل النظافة، وقلة الملابس، وسوء الطعام، إلى جانب المعاملة القاسية والقمع والتنكيل والإهمال الطبي. وتؤكد أن الاحتلال لا يفرّق في قسوته بين الأسرى والأسيرات.
ولمن يعرف اسمها، فلسطين باسم سلامة، يدرك أن القضية الفلسطينية تسكن وجدانها منذ الطفولة، وأنها لم تكن يومًا بعيدة عن معاني النضال والصمود. فهي ابنة مخيم جنين، الذي لطالما اعتبره الاحتلال “معقلًا للمقاومة”، والذي قدّم عبر تاريخه نماذج حيّة من التضحية، حيث اختلطت فيه حكايات الأسرى بالشهداء والجرحى. واليوم، يواصل الاحتلال فرض حصاره على المخيم، في محاولةٍ بائسة لاجتثاث روح المقاومة، عبر تهجير سكانه، وهدم منازله، وتغيير طابعه الديمغرافي.
اقرأ أيضًا: عائلة الشيخ ماجد حسن: فردًا فردًا على قوائم الأسرى
أما عن نجلها الثاني، نور الدين سلامة، البالغ من العمر 23 عامًا، فتتحدث عنه الأم بمرارةٍ لا تقلّ عن شقيقه. تشير إلى تدهور وضعه الصحي نتيجة الإهمال الطبي المتعمد في سجن جلبوع، وتستذكر حادثة تعرضه للضرب المبرح والصعق بالكهرباء في شهر مايو من العام الماضي، إلى جانب معاناته المستمرة من آثار إصابة سابقة برصاص الاحتلال في الكتف، أدت إلى تفتيت العظم، وكان يتلقى العلاج منها قبل اعتقاله.
نور الدين، كأخيه، لا يزال موقوفًا بانتظار المحاكمة، في اعتقاله الثاني، إذ سبق أن اعتُقل وهو في الخامسة عشرة والنصف من عمره، في مسارٍ متكرر يعكس استهدافًا ممنهجًا للشباب الفلسطيني.
قانون إعدام الأسرى "صدمة مروعة"

وعندما سُئلت الأم عن وقع خبر إقرار قانون إعدام الأسرى، صمتت لبرهة، وكأن الكلمات خانتها أمام هول الفكرة. حاولت أن تستجمع قواها، لكن دموعها سبقتها، وفي صوتٍ متهدّج قالت: “صدمة… صعب بمعنى الكلمة، خاصة عندي اثنين أسرى، خايفة كثير على أولادي… هدول ضي عيوني، حبايب قلبي، الله يرضى عليهم”. كلماتٌ تختصر خوف أمٍّ ترى أبناءها مهددين بالمجهول، دون أن تملك القدرة على حمايتهم أو حتى الاطمئنان عليهم.
تواصل حديثها وهي غارقة في أفكارٍ مثقلة بالقلق، تتخيل مصيرًا غامضًا ينتظر ولديها، في ظل انقطاع أخبارهما الكامل، ومنع زيارات المحامين، وتشديد إجراءات العزل. واقعٌ يجعلها أسيرة الانتظار، كما هما أسيران خلف القضبان.
اقرأ أيضًا: بين الأمومة واعتقال الزوج: كتبت دعاء اشتيه قصتها
وفي وقتٍ كانت فيه الأخبار شحيحة، والزيارات معدومة، وسياسات الانتقام في ذروتها، أقدم الاحتلال على تصعيد غير مسبوق، بإقرار قانون إعدام الأسرى، وكأنه تتويج لمسارٍ طويل من القمع والانتهاكات. فكيف لقلب أمٍّ أن يحتمل كل هذا؟ كيف لها أن تنام وفلذتا كبدها بعيدتان عن عينيها، في غياهب السجون، يتعرضان لأقسى أشكال الانتهاك، دون أن تستطيع الوصول إليهما أو حتى سماع صوتهما؟
في ختام حديثها، توجه الأم نداءً إلى العالم، بكل مؤسساته وهيئاته ومجتمعاته، مطالبة بتحرك عاجل لإنقاذ الأسرى، ووقف هذا القانون الجائر، الذي يتنافى مع أبسط القيم الإنسانية والأعراف الدولية. نداءٌ يخرج من قلبٍ مثقل بالخوف، لكنه لا يزال متمسكًا بأملٍ خافت، بأن العدالة، وإن تأخرت، لا تموت.

