بنفسج

في غزة... حين يصبح الأمل مقاومة

الإثنين 30 مارس

ماذا يعني أن تعيش في غزة؟
ماذا يعني أن تعيش في غزة؟

نبدأ حديثنا عن عالمٍ كبير يعجّ بالضوضاء والحركة والخيرات. في هذا العالم، وعلى إطلالة بحرٍ عميق، نقف لنتأمل: نلتفت شمالًا فنرى مدينةً خضراء جميلة، وننظر جنوبًا فنلمح صحراء قاحلة تُسمّى النقب، ثم نعود إلى الوسط… فنُصدم بالمشهد. ليست كما تخيّلناها. إنها غزة، المطلة على البحر، لكننا لا نرى سوى الدمار.

نرفع أبصارنا إلى السماء، فنرى سحبًا سوداء تتصاعد، تحمل معها أرواحًا كثيرة، تتحرك ببطء… كأن الطريق إلى الأعلى مزدحم من كثرتها. ونسأل: أهذه أرض الأنبياء والمرسلين؟ أهذا حقّها بعد أن بلّغت رسالتها للعالم الأصم؟ في بقعة صغيرة، مكتظة بالسكان، ومحاصرة من البر والبحر والجو، نعيش في زنزانة واسعة، أشبه بعزلٍ انفرادي عن العالم. الخروج منها ضياع، والخيانة فيها نفاق، والقتل فيها ظلمٌ فادح.

سأعرّفكم على زنزانتنا: في الشمال… جوعٌ وقتلٌ ونزوحٌ لا يتوقف. في الجنوب… لا شيء؛ جنوبٌ يطلّ على شمال، وشرقٌ على غرب، وقد استوى كل شيء على الأرض. أما في الوسط… فحياةٌ باهظة الثمن، حيث إما أن تنجو بأعجوبة، أو تقف في طابور الموت المزدحم.

أرضنا محتلة، وجزءٌ منها يُقال إنه “حر”، لكننا نراه ساحةً لتجارب دموية؛ تُجرَّب فيها أدوات القتل، تُرسل إلينا، فإن نجحت في حصد الأرواح، أُقرت، وإن لم تفعل، عُدّلت لتكون أشد فتكًا. وهنا نسأل أنفسنا: ألسنا نشبه هذا العالم في دمائنا وألواننا وبشرتنا؟ ما الذي يختلف إذًا؟

يختلف الهدف. هم يسعون إلى الدنيا ومتاعها، ونحن نحمل همّ التحرير. هدفهم المال، وهدفنا كرامة الأرض ونعيم الآخرة. لديهم جيوش عظيمة، لكنهم لم يحركوا ساكنًا، ولديهم سلطات لم تنطق بالحق… وذلك ما سيُسألون عنه. أما نحن، فلم نخسر؛بل ربحنا أرواحًا تنتظرنا في الجنان، بينما خسروا هم الرحمة… وخسروا ثقة المظلومين.

لنعد إلى الطابور… لم ينتهِ بعد. كلٌّ يسلّم أمانته، يروي حكايته، يشهد على ما حدث. طابورٌ لم ينقطع منذ أكثر من ستين عامًا. مباراةٌ طويلة، شعارهم فيها السيطرة، وشعارنا الصمود والشهادة. وفي المدرجات… عالمٌ يشاهد، يراقب، ولا يتحرك. حربنا لم تنتهِ، ودماؤنا لم تجف، وأصواتنا لن تسكن. انتهى شوط، وبدأ آخر… ولن نستسلم حتى النهاية.


اقرأ أيضًا: بيت مهدوم وذاكرة: فتات النفس بين الركام


سنمضي في طريقٍ لا يلتفّ حول الحقيقة، بل يكشفها كما هي. فلا يكفي أن نبلغ نهاية شوطٍ دون أن نراجع ما مررنا به، وما تعلّمناه. فالفوز الحقيقي ليس لحظة تصفيق، بل مسارٌ طويل تتوارثه الأجيال. وبينما يتابع العالم ما يجري، تبقى المسؤولية على عاتق كلّ إنسان أن يحفظ ما تبقى من القيم، وأن يسهم—بما يستطيع—في بناء واقعٍ أكثر عدلًا.

فالحوار يفتح الأبواب المغلقة، والتفاهم يختصر سنوات من الألم. سنواصل التقدّم بخطى ثابتة، نقرأ الماضي بوعي، ونستقبل المستقبل برجاء، مؤمنين أن كل طريق—مهما طال—سينتهي بلحظةٍ ينقشع فيها الغبار وتصفو الرؤية.  فالقوة الحقيقية لا تصنعها الحروب، بل يصنعها الصبر، والإصرار، والقدرة على النهوض بعد كل سقوط. وهكذا… يبقى الأمل رفيق من يتمسك به، وتبقى الغاية نورًا لمن يسعى إليها، حتى يكتمل الطريق… دون أن نفقد إنسانيتنا.