بنفسج

حين يُساءل التاريخ: ما لا تغفره الشعوب

الإثنين 30 مارس

التاريخ في حياة الشعوب
التاريخ في حياة الشعوب

“إن كانت الرجال قد عُدمت عندكم، فأعلمونا حتى نسير إليكم رجالًا.” هكذا كتب الخليفة العباسي المستعصم في القرن الثالث عشر، في رسالة حملت بين سطورها استنكارًا لاعتلاء امرأة عرش الحكم في مصر، بعد أن تولت السلطانة شجر الدر مقاليد السلطة إثر وفاة زوجها الملك الصالح الأيوبي. كانت كلمات قاسية، تختزل نظرة عصرٍ كاملٍ إلى المرأة، وتُقزّم حضورها مهما بلغت من كفاءة وحنكة.

ورغم ذلك، لم تكن شجر الدر امرأة عادية في سجل التاريخ. كانت ذكية، حازمة، ذات رؤية سياسية، استطاعت في فترة قصيرة أن تدير شؤون دولة مضطربة، وأن تُحسن التعامل مع أخطر التحديات. إلا أن الواقع حينها لم يسمح لها أن تُكمل المسير باسمها، فاضطرت إلى الزواج من قائد الجيش عز الدين أيبك، ومنحه لقب السلطان، بينما بقيت هي الحاكمة الفعلية، تُدير الأمور من خلف الستار، في مشهد يكشف حجم التناقض بين الواقع والاعتراف به.

لطالما كانت قصة شجر الدر من القصص التي تستوقفني، لما تحمله من دلالات على الظلم الذي لحق بالمرأة، وعلى قدرتها في الوقت ذاته على كسر هذا الظلم وإن بصمت. لكن ما أعاد هذه القصة إلى ذهني اليوم، لم يكن السلطانة نفسها، بل رسالة المستعصم. تساءلت بيني وبين نفسي: لو بُعث هذا الخليفة في زماننا، ونظر إلى واقعنا، ماذا عساه أن يكتب؟ هل كان سيكرر عبارته ذاتها؟ أم أنه كان سيُدرك أن الخلل لم يكن يومًا في جنس الحاكم، بل في جوهره؟

أكاد أراه اليوم، ممسكًا رأسه بين يديه، مثقلًا بدهشة لا تقل عن دهشة من يرى الحقيقة متأخرًا. يتنهد طويلًا، ثم يمد يده إلى ورقة، ويكتب أولًا اعتذارًا متأخرًا إلى شجر الدر، يقرّ فيه أنه أخطأ حين ظن أن الحكم حكرٌ على الرجال، وأن الرجولة صفة تُقاس بالشكل لا بالفعل. ثم يكتب رسالة أخرى، لا إلى امرأة هذه المرة، بل إلى حكّام هذا الزمان: “إن كانت النساء قد عُدمت عندكم، فأعلمونا حتى نسير إليكم امرأة.”

جملة تحمل في طياتها مفارقة موجعة، لكنها صادقة حد الألم. فوالله إننا أصبحنا نرى في نسائنا من الحمية، والشجاعة، والوعي، ما نفتقده في كثير من مواقع القرار. نرى أمًا تُربّي في قلب الحصار، ومعلمة تُنير العقول رغم القهر، وصحفية تُخاطر بحياتها لتنقل الحقيقة، وامرأة تقف في وجه الظلم، لا تساوم ولا تنحني.


اقرأ أيضًا: لأجل كل هذه الأسباب... لم تنته حربنا بعد


وفي المقابل، نرى صمتًا ثقيلًا حيث يجب أن يكون الصوت، وترددًا حيث يجب أن يكون الحسم، وتخاذلًا حيث يفترض أن تكون الكرامة خطًا أحمر لا يُمس. لم يعد السؤال: من يحكم؟ بل: كيف يُحكم؟ وبأي ضمير تُدار شؤون الناس؟ أما أنا، فلستُ أكتب رسالة إلى التاريخ، بل إلى الحاضر، إلى أولئك الذين آثروا الصمت، أو شاركوا فيه، أو وجدوا له ألف مبرر.

أكتب وأقول: إن كان قد أُمسك عليكم شيءٌ تخشون انكشافه، إن كان هناك ما يُقيّد مواقفكم، أو يُرهبكم، أو يُخضع قراراتكم، فصارحونا. قولوا لنا الحقيقة كما هي، مهما كانت قاسية أو مخزية. نحن، الشعوب التي أنهكها الانتظار، مستعدون أن نسمع، بل وربما أن نغفر.

نعم، قد نغفر الضعف، وقد نغفر الخوف، وقد نغفر حتى الأخطاء الفادحة… لكن ما يصعب غفرانه، بل يستحيل، هو أن يُلبس التخاذل ثوب الحكمة، وأن تُسمى الخيانة سياسة، وأن يُترك شعبٌ يُباد، بينما تُغلق الأعين، وتُطوى الصفحات، وكأن شيئًا لم يكن. لأننا، ببساطة، لا نرى أبشع من هذا.