بنفسج

حين يقطع الاحتلال الطريق إلى الأقصى: تقول المرابطات

الخميس 12 مارس

المرابطات المقدسيات المبعدات
المرابطات المقدسيات المبعدات

تعيش المبعدات عن الأقصى شعورًا مزدوجًا بالحزن والحنين؛ حزن البُعد عن المسجد الأقصى، وحنين الروح إلى المكان الذي يربطهن بإيمانهن وهويتهن. لم يعد رمضان رمزًا للفرح والطمأنينة، بل صار تذكيرًا بما فُقد وبالقيود المفروضة عليهن بقرار من الاحتلال. في كل لحظة من هذا الشهر الفضيل، تتجدد الحسرة على أصوات الأذان التي لا تصل إليهن، وعلى أمكنة اعتدن أن تملأها خشوعهن وأمانيهن، لكنها اليوم مغلقة أمامهن.

هنا يصبح رمضان اختبارًا مزدوجًا؛ اختبار صبر الروح، واختبار قسوة الاحتلال الذي لا يكتفي بالقيود الجسدية، بل يسعى لطمس روابط الإنسان بمقدساته، وحبس الشعور الديني في قلبه بعيدًا عن المكان الذي اعتاد. المبعدات عن الأقصى لا يفقدن المكان فحسب، بل يُجبرن على صيام الحرمان من الطقوس.

هنا نحكي مع مبعدات عن باحات المسجد الأقصى، وماذا يعني لهن الغياب عنه في رمضان. يحكين كيف لا يعتاد المرء على الغياب مهما مرّ من زمن، وكيف يفتقدن ذكريات رمضان في باحاته؛ الإفطارات الجماعية، والجلسات العائلية في الباحات المقدسة.

خديجة خويص: منعٌ يدمي القلب

IMG-20260310-WA0052.jpg
 

المرابطة المقدسية خديجة خويص تعيش رمضان هذا العام على إيقاع الغياب القسري، بعد أن صدر بحقها قرار احتلالي يمنعها من دخول المسجد الأقصى منذ سبتمبر 2025 لمدة ستة أشهر. ستة أشهر تبدو في نص القرار رقمًا عابرًا، لكنها بالنسبة لها رقم مرير.

تقول بأسى: "أصعب ما قد يقاسيه المقدسي هو الإبعاد عن المسجد الأقصى المبارك، سواء في شهر رمضان أو باقي الشهور. طوال العام نظلّ ننتظر رمضان لنقضيه في الأقصى صلاةً واعتكافًا ورباطًا ومجالس ذكر وحلقات للقرآن ودروس العلم، والآن كل ذلك يقف الإبعاد عائقًا أمامه".


اقرأ أيضًا: إسراء أبو رقعة: حين لا يشفع للطواقم الطبية مئزرها الأبيض


لخديجة ذكريات كثيرة في المسجد الأقصى، أكثر مما تُحصى؛ ذكريات الفجر، والإفطار، والتراويح، والاعتكاف العلمي، إذ كانت تتنقل براحة بين تلة الرحمة ومصلى الرحمة. تضيف: "يبعد بيتي أقل من كيلومتر واحد عن الأقصى، ولا أستطيع الوصول بقرار من الاحتلال. وعائلتي، كباقي العائلات المقدسية، تحول الحواجز على الأبواب دون دخولهم للأقصى عند صلاة الفجر وصلاة الجمعة؛ أحيانًا يُمنعون وأحيانًا يمكنهم الوصول والدخول".

تكمل: "تمضي الأيام ثقيلة دون الأقصى، وتظل قلوبنا حزينة لأن أجسادنا ممنوعة من الوصول، ولكن ما يعزينا أن الإبعاد هو ضريبة حب الأقصى وضريبة حمل قضيته. حسبنا أن الأقصى يملأ قلوبنا وعقولنا وأرواحنا؛ فإن كانت الأجساد حبيسة، فالأرواح لا تكف عن تطوافها في رحابه".

هنادي حلواني: الفراق المر

IMG-20260310-WA0054.jpg
 

أما المقدسية هنادي حلواني، فقد طالها الإبعاد منذ 11 عامًا، وأحيانًا تُبعد عن البلدة القديمة ومحيطها أيضًا. تقول بنبرة موجعة: "لهذا وقع شديد على النفس، قهر وألم شديد، خاصة وأنا من سكان القدس ومولودة بها، وقضيت حياتي كلها بين باحات الأقصى".

صنعت هنادي ذكريات جميلة في الأقصى؛ كانت تدرس في مصاطب العلم، وعُرفت بين نساء الأقصى كمرابطة مقدسية. كانت تتواجد يوميًا في رمضان من السابعة صباحًا حتى الثالثة عصرًا، وأحيانًا تبقى للإفطار في الباحات الأحب إلى قلبها، وتصلي التراويح. تعقب: "رمضان حياة من الجنة في المسجد الأقصى".

أما عن عائلتها، تكمل: "أولادي كباقي المقدسيين ليسوا ممنوعين، لكنهم يعيشون تحت أهواء الاحتلال. في بداية رمضان أخذ ابني إفطاره، لكنه رُفض إدخاله إلى الأقصى، عدا عن أنه ممنوع من تجديد هويته، مع أنه من سكان القدس ولا يملك بيتًا إلا فيها".

تردف بأسى، وهي التي تتلقى إبعادًا يتلوه إبعاد: "أنا مقهورة طوال أيام العام من الإبعاد القسري عن الأقصى، لكن في رمضان الألم يزداد، والشيء الأكثر قساوة أنه صار غير مسموح لي حتى الصلاة على أبواب المسجد الأقصى بعد حرب الإبادة في غزة".

عايدة الصيداوي: جارة الأقصى

IMG-20260310-WA0050.jpg

في منزل يطل على الأقصى، وبالقرب من باب الحديد، أحد أبواب المسجد الأقصى المبارك، تعيش المرابطة المقدسية عايدة الصيداوي (64 عامًا). هي ابنة الخليل، لكنها تزوجت من مقدسي عام 1976، ومنذ ذلك الحين نالت لقب جارة الأقصى.

تقول: "تم اعتقالي في 13 يناير الماضي، ونكلوا بي، وفتشوني بشكل عارٍ، ومنعوني من ارتداء الجلباب والحجاب، ثم اصطحبوني للتحقيق، ووضعوني في زنزانة التحقيق مرتين بشكل متفرق، وبينهما أجلسوني في السيارة وفتحوا عليَّ المكيف البارد في ظل البرد الشديد. ثم بعد انتظار طويل حكموا عليَّ بغرامة 500 شيكل بحجة منشورات زعموا أنها تحريضية نُشرت قبل ثلاثة أعوام".


اقرأ أيضًا: سندس لفداوي: الأم التي بدأ رمضانها في المعتقل


بعد المحكمة، نُقلت عايدة للتحقيق ليبلغوها بمنع الدخول للأقصى لمدة أسبوع، ثم جُدد المنع ليصبح ستة أشهر. تضيف وهي تستذكر افتقادها لجلسات القرآن: "منذ قرار الإبعاد وأنا أشعر بغصة. كيف أكون على بعد خطوات منه، دقيقة تفصلنا ولا أستطيع الدخول للصلاة وممارسة شعائري الدينية الرمضانية؟ لكني أرى الوفود التي تتوافد على الأقصى ويسعدني توافدها لكن الان بعد المنع غصة في القلب بإغلاق الأقصى للمرة الأولى في التاريخ".

رغم الإبعاد القسري ومنع الوصول إلى المسجد الأقصى، يبقى الارتباط به حيًا في القلوب، ممتدًا عبر الدعاء والذكر والنية الصادقة. لا يمنع الانقطاع الجسدي حب الأقصى، وسيظل المقدسي وكل فلسطيني محبًا للقدس رغمًا عن التنكيل والإبعاد.