بنفسج

مطبخ الخيمة… حين تصنع نساء غزة الحياة من زاوية رماد

الأربعاء 04 مارس

مطبخ الخيمة في غزة
مطبخ الخيمة في غزة

المطبخ هو ذاك المكان المميز بالنسبة للمرأة، تعتبره مملكة خاصة، فيه تثبت جدارتها بإعداد الطعام والأكلات الشهية، تتفنن في صنع الحلويات والوصفات الجديدة، تهتم بتفاصيله الصغيرة، نظافته وترتيب الأدوات، تحرص على اقتناء كل جديد وجميل وما من شأنه إضفاء البهجة لتعديل مزاجها والشعور بالراحة.

ولعل أهميته في شهر رمضان الفضيل تصبح مضاعفة، إذ تقضي النساء فترات أطول في المطبخ، نظراً للولائم واجتماع العائلات بشكل متتالٍ، كنوع من الترابط الاجتماعي والألفة ونشر الخير والبركة. في غزة، الوضع مختلف تمامًا، كل شيء لا يشبه أصله، فالحرب قلبت الموازين، وما كان أولوية بات ثانوياً في ظل الحرب القاسية وتداعياتها المؤلمة، التي أثقلت كاهل العائلات الغزية، أو بالأحرى ما تبقى من العائلات.

من مطبخ إلى زاوية

الخيام في غزة.webp

يحلّ شهر رمضان الثالث على أهالي غزة في ظل الحرب، جاهدين يحاولون صنع أجواء رمضانية من زينة وشراء بعض الحاجيات وحسب المتوفر، وتبادل الطعام وإن كان قليلاً. وعن المطبخ في الخيمة، فتصفه إسراء العرعير، النازحة في خيمة بمدينة خانيونس جنوب القطاع، كالآتي: “هو زاوية في الخيمة، مساحته بالكاد تُذكر، لا معالم واضحة فيه تدلل على أنه مطبخ إلا من بعض الأدوات، نضحك على أنفسنا بتسميته مطبخ، فهو يشبه كل شيء إلا المطبخ، فيه صحون على عدد أفراد العائلة، وطنجرة واحدة، وكاسات بالكاد تكفينا كأفراد”.

سكتت عند هذا الحد، بالفعل هذا كل ما في المطبخ، ليس فيه نوع من المبالغة، فهذا واقع يعيشه كل النازحين في الخيام. طرحت على إسراء سؤالاً وأنا متحرجة: هل اشتريتِ أغراضاً جديدة؟ وما هي طبيعة التجهيزات التي تداركتِها مع اقتراب الشهر الفضيل؟


اقرأ أيضًا: كيف تعيد نساء غزة هندسة الحياة في الخيمة؟


تجيب إسراء: “ما في تجهيزات بالمعنى الحقيقي، قلة الإمكانات، والنقود قليلة، عاملان أساسيان في ترتيب الأولويات، فعلياً اكتفينا بالكاسات الموجودة عندنا والتي ترافقنا في نزوحنا، بالكاد تكفينا، واشترينا ثلاثة صحون جديدة من محل قريب”.

وعن الأجواء الرمضانية وتجهيز ما يسمى بالمطبخ، فقد وضعت إسراء حبلاً بسيطاً للزينة في مطبخها، أقصد تلك الزاوية في الخيمة، هذا كل ما استطاعت توفيره، إضافة إلى مفرش طعام تُزيّنه رسومات رمضانية، تضعه على المائدة كجو رمضاني، ترى فيه لمسة جميلة، غير مكترثة بمكان الشظايا التي شوهت منظره بعد أن نجحت في الحصول عليه من تحت ركام منزلها الذي قصفته الطائرات الحربية.

ما قبل الحرب

وعن يوم رمضاني تصفه كالآتي: “تبدأ الرحلة بجمع الحطب وإشعال النار وإيجاد زاوية مناسبة لذلك، وهي من المهام الشاقة علينا كنساء وخاصة في شهر رمضان، لما تُخلِّفه النار من دخان، فنبدأ بتجهيز وجبة الإفطار باكراً، بعد الحصول على المكونات بما يتناسب مع ما نمتلك من نقود، كي يتسنى لنا إنجاز الوجبة بالوقت المناسب، كما أن الأدوات التي نحتاجها كالقدر مثلاً تتداول عليه عدة نساء، والأواني المستخدمة بالكاد تكفي احتياجاتنا كعائلة.

تستذكر إسراء العرعير مطبخها قبل الحرب، قبل أن يصبح ركامًا، تصفه بالمكان الجميل، المكان الذي تحب ترتيبه وإضفاء لمساته الأنثوية على تفاصيله، فيه كانت تعد مختلف الأكلات الشهية، مطبخ مجهز بكامل الأدوات من الأواني المختلفة بأحجامها وأشكالها، وفيه كهربائيات من غاز وفرن وغيره من الأدوات التي تسهل عليها إعداد مهامها اليومية.

ومع اقتراب شهر رمضان كانت تشتري برفقة زوجها مستلزمات جديدة لسفرة رمضان، تضع فيها الزينة والأضواء ابتهاجاً بالشهر، وكانت تتفنن في إعداد الأطباق في العزائم الرمضانية التي كانت تعج بالحياة، حيث لمة الأحباب والأقارب والأجواء المميزة. أما اليوم، فكل شيء مختلف، زوجها بات شهيدًا وعدد من أشقائها وأقاربها كذلك الأمر، فحالة الفقد باتت الغالبة على مائدة الإفطار في رمضان، والذي أضحى في خيمة لا جدران لها، ولا تقيهم حراً ولا برداً، ولا خصوصية فيها.

وعن يوم رمضاني تصفه كالآتي: “تبدأ الرحلة بجمع الحطب وإشعال النار وإيجاد زاوية مناسبة لذلك، وهي من المهام الشاقة علينا كنساء وخاصة في شهر رمضان، لما تُخلِّفه النار من دخان، فنبدأ بتجهيز وجبة الإفطار باكراً، بعد الحصول على المكونات بما يتناسب مع ما نمتلك من نقود، كي يتسنى لنا إنجاز الوجبة بالوقت المناسب، كما أن الأدوات التي نحتاجها كالقدر مثلاً تتداول عليه عدة نساء، والأواني المستخدمة بالكاد تكفي احتياجاتنا كعائلة.


اقرأ أيضًا: رجال الميدان: كيف تصنع غزة أبطالها؟


بالنسبة لغاز الطهي، بالكاد يتوفر، وفي حال توفره نحاول ترشيد استخدامه وتوفيره لإعداد وجبة السحور، فإشعال النار في الظلام أمر في غاية الصعوبة والإرهاق”.  وإعداد الطعام بات موضوعًا مرهقًا على نساء غزة في ظل شح الإمكانات، وبساطة الأدوات، وبدائية المواقد، وعدم توفر غاز الطهي بشكل منتظم، والموارد محدودة وكذلك الكميات.

تضيف: “الناس اللي كانوا معنا برمضان أصبحوا شهداء، أماتتهم الحرب، والناس اللي كانوا يعزمونا منهم الشهيد ومنهم الذي يسكن بعيداً عنا، فالحرب شتتنا وقطعت أوصالنا، وباتت قلوبنا مثخنة بالحزن عند اجتماع من تبقى من أفراد العائلة على المائدة”.

ومع كل إجابة تختتمها إسراء بالحمد والثناء، من هنا تتجلى معاني الإيمان والصبر والثبات على الشدائد، والأمل المتجدد وصنع معاني الحياة من العدم وتحدي الصعاب. صعوبة استقبال الشهر الفضيل بلا مطبخ من أصعب ما تعانيه المرأة بعد فقد منزلها، لكن النساء في غزة صنعن المستحيل، وابتكرن طرقاً وأدوات بسيطة لإعداد الطعام، حاولن التأقلم مع الصعب وطوعن ظروف الحرب لصالحهن، إلى جانب إيمانهن العميق وأملهن بالفرج وانتهاء الحرب.