بنفسج

رجال الميدان: كيف تصنع غزة أبطالها؟

السبت 21 فبراير

رجال الميدان في غزة
رجال الميدان في غزة

منذ الصغر ينشأ أطفالنا في مساجدنا الفساح، يتعلمون القرآن ويرتلونه، ويتعلمون العقيدة كما يتعلمون الصلاة، بهدوء وبخطوات بسيطة. يكبرون وهم يعرفون أن الله حاضر في تفاصيل الحياة، وأن الإيمان ليس كلمات تُقال، بل طريق يُسلك، وأن الحق لا يكون حقًا إن لم يكن له من يحمله ويثبت عليه. في تلك السنوات الأولى، تتشكل في قلوبهم معانٍ كبيرة دون ضجيج، معانٍ ستقودهم يومًا إلى اختيارات صعبة.

يكبرون في بيوتٍ عادية، بين أهلٍ يخافون عليهم ويدعون لهم، وبين واقعٍ قاسٍ لا يترك مجالًا للترف في الأحلام. يرون الظلم حولهم، فيشعرون أن هذا ليس عدلًا، وأن الإنسان لا يمكنه أن يعيش مطمئنًا وهو يرى غيره يُقهر. لا يتعلمون الكراهية، بل يتعلمون أن السكوت ليس دائمًا صوابًا، وأن الوقوف مع الحق قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الأصدق.

كيف تصنع غزة رجالها؟

رجال الميدان في غزة.jpg

وحين يكبرون أكثر، يدركون أن الطريق الذي اختاروه ليس سهلًا. يعرفون أن له ثمنًا، وأنه مليء بالخوف والتعب والغياب، ومع ذلك يمضون فيه. لا يبحثون عن الموت، ولا يكرهون الحياة، بل يحبونها بصدق، لكنهم يرون أن للحياة معنى أكبر من الراحة، وأن ما عند الله أبقى من كل متاع زائل.

وراء هؤلاء أمّ لا تنام الليل من شدّة الخوف على ابنها، لا تعلم متى يأتيها خبره، ولا بأي حال. تقضي ليلها بين الدعاء والدموع، ترفع يديها كلما ضاق صدرها، وتسأل الله أن يحفظه، وأن يربط على قلبه، وأن يرده سالمًا إن كان في ذلك خير. قلبها معلّق بخبر، وأيامها محسوبة على الانتظار.

وهناك أبٌ يتظاهر بالقوة، يخفي قلقه خلف الصمت، ويتابع الأخبار دون أن يتكلم كثيرًا. يحمل خوفه في صدره، ويحاول أن يكون سندًا لأهل بيته، رغم أن قلبه مثقل بالأسئلة. في هذه البيوت، يُعاش الصبر حقيقةً، لا كما يُقال في الكلام، بل كما يُحتمل في كل يوم.

ولا يقتصر الثمن على الأمهات والآباء، فهناك زوجات يعشن على الانتظار. تمرّ الأيام، ثم الأسابيع، ثم الشهور، ولا يصل إليهن سوى الصمت. لا رسالة، ولا صوت، ولا خبر يطمئن القلب. يتعلّقن بأي بصيص أمل، بأي إشاعة، بأي إحساس داخلي يقول إن الغائب ما زال حيًا. يحملن المسؤولية وحدهن، يربين أبناءهن، ويخفين وجعهن حتى لا يكبر الحزن في عيون الأطفال.

واقع لا ترف للأحلام فيه

واقع لا ترف فيه.jpg

أما الأطفال، فيكبرون قبل أوانهم. يتعلمون الانتظار كما يتعلم غيرهم اللعب، يراقبون الأبواب، وينتبهون لكل صوت، ويسألون أسئلة لا تملك الأمهات إجابات واضحة لها. ومع ذلك، يكبرون وهم يتعلمون الصبر، ويعتادون الغياب كأنه جزء من حياتهم اليومية.

ولا ننسى الإخوة، أولئك الذين يعيشون القلق بصمت. إخوة يتابعون الأخبار، ويحسبون الأيام، ويحاولون أن يكونوا سندًا للعائلة وهم أنفسهم في حاجة إلى من يطمئنهم. يقفون بين الأمل والخوف، لا يملكون إلا الدعاء، والصبر، وانتظار الفرج.


اقرأ أيضًا: رسالة إلى أبي... النصر دومًا للمقاتل


وعنهم هم، في الميدان، فالحكاية مختلفة عمّا يتخيله كثيرون. هناك يكونون إخوة بحق، قلوبهم على بعضهم، يتقاسمون الخوف كما يتقاسمون الأمل، ويشدّ بعضهم أزر بعض حين يثقل التعب. لا يتركون أحدًا خلفهم، ولا يتخلّون عن بعضهم مهما اشتدّ الحال. النظرات بينهم تكفي، والكلام يقلّ، لكن الثبات يبقى.

قربهم من الله هو ما يمنحهم هذا السكون وسط القسوة. مصحفهم لا يفارقهم، وأذكارهم ترافقهم في كل حال. في الدعاء يجدون الطمأنينة، وفي الصلاة يستمدّون القوة. الإيمان هنا ليس مظهرًا، بل حاجة حقيقية، وملجأ حين تضيق كل السبل.

ولا يغيب عن هذه الحكاية النوم، ذاك الشيء البسيط الذي يفتقد معناه هناك. ينامون قليلًا، على تعبٍ متراكم، أو على قلقٍ لا يهدأ، وقد يسرقهم النعاس لدقائق ثم يصحو القلب قبل الجسد. ومع ذلك، لكل واحدٍ منهم حياة كان يمكن أن يعيشها؛ أحلام مؤجلة، وطموحات بسيطة، وأمنيات تشبه أمنيات أي إنسان: بيت، واستقرار، ومستقبل هادئ. لم يكونوا بلا رغبات ولا بلا أحلام، لكنهم اختاروا طريقًا آخر حين شعروا أن الطريق الأسهل لا ينسجم مع ما يؤمنون به.

عوائل تؤسس على الجهاد

المقاومون في غزة.jpg

لا تغيب عن حكايتهم معاناة شحّ الطعام والماء. قد يبقون أيامًا بلا طعام، وقد يمضون أيامهم على شقّ تمرة، أو لقمة صغيرة يتقاسمونها بينهم. تمرّ ساعات طويلة بلا ماء، ومع ذلك يكملون طريقهم بصبر. لا يشكون الجوع، بل يخففونه بالذكر، ويتقاسمون القليل بمحبة، ويقدّم بعضهم بعضًا، فيتقدّم الإيثار على الحاجة.

تركوا متاع الدنيا خلفهم، لا لأنهم لا يحبونها، بل لأنهم اختاروا ما يرونه أبقى. تركوا الراحة والأمان والتفاصيل الصغيرة، واختاروا طريق الرباط، طريق الصبر الطويل، والإقامة على الموقف دون تراجع. لم يكن القرار سهلًا، لكنه كان واضحًا في قلوبهم.


اقرأ أيضًا: حين يسبق الحدس الخبر: امرأة تحتضن الفقد مرتين


وفي النهاية، تبقى هذه الحكايات أكبر من أن تُختصر في كلمات، لكنها تُروى كي لا تُنسى. هي حكاية أناسٍ اختاروا الصبر، وتحملوا الجوع والخوف والغياب، وبقوا متشبثين بإيمانهم رغم كل شيء. لم يطلبوا من الدنيا الكثير، واكتفوا بأن يكونوا صادقين مع ربهم، ومع ما آمنوا به.

اللهُمَّ احفظهم بعينك التي لا تنام، واربط على قلوبهم، وكن لهم عونًا ونصيرًا. اللهُمَّ أطعم جائعهم، واسقِ ظمآنهم، وطمئن قلوب أمهاتهم وزوجاتهم وأطفالهم. اللهُمَّ إن كانوا أحياء فاحفظهم، وإن كانوا عندك فاقبلهم قبولًا حسنًا، واجعل ما قدّموه في ميزان حسناتهم، واكتب لهم أجر الصابرين والمرابطين.