لعلّ ما نعيشه اليوم يشبه ما سبق المعجزة؟ لم يكن الإسراء والمعراج حدثًا منفصلًا عن واقع تلك المرحلة، ولا معجزة جاءت بلا سابق كدر. سبقهما عامٌ مثقل بالحزن، كان من أشد أحداثه أن فقد فيه النبي ﷺ رفيقة دربه خديجة رضي الله عنها، سنده الأعمق، وقلبه الذي كان يحتضن دعوته حين كذّبه الناس. تلك المرأة التي احتمى بها حين اشتد الأذى، وتكاثفت الهموم، وضاقت الأرض عليه ﷺ بما رحبت.
وفي ذروة هذا الحزن وما كان في خلجات رسولنا الكريم من صبر واحتساب، جاء فرجٌ مهيب وتكريمٌ عظيم تمثل في رحلة الإسراء والمعراج.. أتساءل أحيانًا: هل نعيش في حال يشبه ذلك الحال؟ لطالما ظننت أن ما مر به أهل غزة مثلاً لم يسبق لوجعه وجع! لكن لماذا كل هذا الألم؟ ألم يقال أنه في سبيل الله ودعوة رسوله؟ أليست هذه أرض دعوته؟
أتذكرون تلك الجملة التي كبرنا على سماعها؟ "القدس بوابة السماء".. لماذا لا نذكر أنفسنا بحقيقتها..؟ عُرج بالنبي ﷺ من هذه البوابة، وكأنما يقال إن الطريق إلى العلا يمر من هنا، من أرض الابتلاء والصبر. اليوم، وبعد قرون، ما تزال فلسطين تعيش ذات الثقل، وتحمل ذات القداسة.
أي أن فلسطين امتداد..! امتداد لتلك السيرة والمسيرة، بكل ما تحمل من عطاء وبذل وتضحيات..؟ أليس بهذا الامتداد يُستحق النصر والفرج؟ بلى، بل إن هذا الامتداد لم يأتِ دون تمهيد إلهي..! لم تبدأ رحلة الإسراء من مكة فقط، بل من القدس، من المسجد الأقصى تحديدًا. لم يكن ذلك اختيارًا عابرًا في سياق معجزة كبرى، بل رسالة عميقة بأن لهذه الأرض مكانتها في العقيدة، وأنها ليست هامشًا في الجغرافيا ولا حتى تفصيلًا عابرًا في التاريخ، بل ترسيخ لذلك الامتداد المبارك..
أتذكرون تلك الجملة التي كبرنا على سماعها؟ "القدس بوابة السماء".. لماذا لا نذكر أنفسنا بحقيقتها..؟ عُرج بالنبي ﷺ من هذه البوابة، وكأنما يقال إن الطريق إلى العلا يمر من هنا، من أرض الابتلاء والصبر. اليوم، وبعد قرون، ما تزال فلسطين تعيش ذات الثقل، وتحمل ذات القداسة، وتواجه ذات الظلم، لكنها أيضًا تحمل الوعد ذاته. فالأرض التي شهدت المعجزة، قادرة أن تشهد الفرج.
اقرأ أيضًا: لن تُمكن حتى تُبتلى.. تأملات في سُنن الابتلاء والتمكين
جاء الإسراء بعد عام الحزن، ولم يكن في المشهد ما يوحي بانفراج قريب، لكن السماء كانت تُعدّ أمرًا عظيمًا.. وهنا يتقاطع المشهد مع واقع فلسطين اليوم؛ حصار، فقد، قهر، وليل طويل لا ينتهي. غزة المحاصرة، والقدس المثقلة بالجراح، تشبه إلى حدّ كبير تلك اللحظة التي سبقت الإسراء. كأن الرسالة تتكرر: إن الفرج لا يأتي في لحظة الراحة، بل في ذروة الألم، بعد ساعات المخاض العسير، حين نظن أن كل الأبواب قد أُغلقت.
لم تكن خديجة رضي الله عنها امرأة عابرة في سيرة النبوة، بل كانت شريكة في الرسالة، سندًا نفسيًا وروحيًا، وركنًا ثابتًا في أصعب اللحظات. بها ثبُت قلب النبي ﷺ، وبكلماتها بدأ الاطمئنان، وحين ضاقت به الأرض، كانت هي المساحة الآمنة التي أعادته إلى يقينه.
هنا تقف المرأة الفلسطينية في المشهد ذاته؛ أمّ تصبر على الفقد، وزوجة تنتظر، وأمّ تودّع أبناءها، وأسيرة ونازحة ومكلومة، لكنهن ثابتات..! ليست المرأة هنا ظلًا لتضحيات الرجال، بل عمودًا للثبات وشريكة في الصمود.
معراج التحرير آتٍ.. كان الإسراء تمهيدًا للمعراج، وأعقب العسر يسر، ولليل فلسطين فجرٌ محقق. فالله الذي أسرى بعبده ليلًا، قادر على أن ينصر أهل هذه الأرض المباركة، مهما طال البلاء.
جدير بالذكر أن المرأة عندنا لا تُعرف بما تملك، بل بما تصبر عليه؛ فهذه زوجة شهيد، تلك زوجة أسير، وزوجة المرابط وغيرهن من الأسيرات والمرابطات والمضحيات.. ألقاب لم تخترها أيّ منهن، لكنهن حملنها كما تُحمل الأمانة. كما كانت خديجة سند النبوة في بدايات الدعوة، تقف المرأة الفلسطينية اليوم سندًا بكل شكل من أشكال التضحية، تحفظ المعنى حين يتداعى كل شيء، وتُبقي جذوة الإيمان مشتعلة وسط الظلام وبين الركام..
تجيء ذكرى الإسراء والمعراج، لتحيي فينا عبادة قد نغفل عن استحضار النية فيها مع تثاقل الهموم، عبادة الصبر..! فهي ليست فرضاً نعيشه لانعدام الخيارات، بل اختيارًا واحتسابًا لكل هذه الأجور. الصبر يكمن في كل تفاصيل الحياة اليومية، في البيوت، المستشفيات، المخيمات والطرقات.. وكل ما نجده في هذه الأماكن من تحديات..
معراج التحرير آتٍ.. كان الإسراء تمهيدًا للمعراج، وأعقب العسر يسر، ولليل فلسطين فجرٌ محقق. فالله الذي أسرى بعبده ليلًا، قادر على أن ينصر أهل هذه الأرض المباركة، مهما طال البلاء. وعد الإله هنا ليس وهمًا، بل امتداد يذكرنا بيقينٍ يتجدد بالصبر، ويكبر بالإيمان، ويقوى بالثبات. في كل عائلة فلسطينية حكاية صبر، وفي كل بيت مرابط معراجٌ مؤجل، لكن الوعد آتٍ… كما أتى الإسراء.

